وهكذا أناب الإمام الرضا عليه السلام إلى ربه فوهب الله له ما شاء من الكرامة والعلم .
لقد زهد في الدنيا واستصغر شأنها ، ورفض مغرياتها ، فرفع الله الحجاب بينه وبين الحقائق ؛ لأن حب الدنيا رأس كل خطيئة ، وهو حجاب سميك بين الإنسان وبين حقائق الخلق .
يذكر البيهقي عن الصولي :
« كَانَ جُلُوسُ الرِّضَا عليه السلام فِي الصَّيْفِ عَلَى حَصِيرٍ وَفِي الشِّتَاءِ عَلَى مِسْحٍ ، وَلُبْسُهُ الْغَلِيظَ مِنَ الثِّيَابِ ، حَتَّى إِذَا بَرَزَ لِلنَّاسِ تَزَيَّنَ لَهُمْ » « 1 »
. وكان ذلك عندما أقبلت الدنيا عليه فلم يقبلها ، وتزيَّنت له فلم يغترّ بها . بل عندما كانت الخلافة العباسية في أوج عظمتها وبذخها وترفها وكان الإمام ولي عهد الخليفة في الظاهر يومئذ عاف الدنيا وشهواتها . هكذا تروي جارية اسمها عذر فتقول :
« اشْتُرِيتُ مَعَ عِدَّةِ جِوَارٍ مِنَ الْكُوفَةِ ، وَكُنْتُ مِنْ مُوَلَّدَاتِهَا ( كانت مولودة في الكوفة ) ، قَالَتْ : فَحُمِلْنَا إِلَى المَأْمُونِ فَكُنَّا فِي دَارِهِ فِي جَنَّةٍ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطِّيبِ وَكَثْرَةِ الدَّنَانِيرِ ، فَوَهَبَنِي المَأْمُونُ لِلرِّضَا عليه السلام ، فَلَمَّا صِرْتُ فِي دَارِهِ فَقَدْتُ جَمِيعَ مَا كُنْتُ فِيهِ مِنَ النَّعِيمِ ، وَكَانَتْ عَلَيْنَا قَيِّمَةٌ تُنَبِّهُنَا مِنَ اللَّيْلِ وَتَأْخُذُنَا بِالصَّلَاةِ ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَشَدِّ مَا عَلَيْنَا ، فَكُنْتُ أَتَمَنَّى الْخُرُوجَ مِنْ دَارِه » « 2 »
. وأعظم الزهد زهده في الخلافة بالطريقة التي عرضها عليه المأمون العباسي ، فإن من الناس من يزهد في الدنيا طلباً لما هو أعظم من متاعها . ولا أعظم من الرئاسة في أعين الإنسان .
هامش
( 1 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 89 .
( 2 ) بحار الأنوار ، ج 49 ، ص 89 .