وتمضي الرواية تحدثنا عن أن رسالة خرجت - بعد هذه المعاهدة - من بيت الخليفة الثالث إلى عُمَّاله وعليها خاتم الخليفة ، يدعوهم فيها إلى نصرته ، وقتل رؤساء المعارضين ، وأنه أخذ يتأهب للقتال ويُعِدُّ جيشًا عظيمًا من رقيق الخمس . مما أثار شكوك المعارضين ، فعادوا إليه ، وطالبوه بعزل الولاة فورًا ، أو خلع نفسه فلم يفعل . ثم أنكر الرسالة وادَّعى أنها تزوير عليه . ولعل أصابع بني أمية داخل البيت كانت قد زوَّرت الرسالة وغيّمت سحب الشكوك ، ووقعت الفتنة « 1 » .
وهكذا جرت الرياح في اتجاه العنف ، وقُتِلَ عثمان ، وغلب الثوار على المدينة . وَلَخَّصَ الإمام علي عليه السلام الواقعة بعدئذ في كلمتين ، حين قال عن مقتله :
« لَوْ أَمَرْتُ بِهِ لَكُنْتُ قَاتِلًا ، أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ لَكُنْتُ نَاصِرًا .
وأضاف : « وَأَنَا جَامِعٌ لَكُمْ أَمْرَهُ : اسْتَأْثَرَ فَأَسَاءَ الأَثَرَةَ ، وَجَزَعْتُمْ فَأَسَأْتُمُ الجَزَعَ ، وَللهِ حُكْمٌ وَاقِعٌ فِيْ المُسْتَأْثِرِ وَالجَازِعِ » « 2 »
. ولعل حكم الله الواقع في المستأثر أن يكبوَ به فرس السلطة ويقتل على فراشه ، وحكمه في الجازع أن يكون كمن يجتني الثمرة في غير أوانها فلا يهنأ بها . وهكذا استطاع الحزب الأموي أن يستفيد من مقتل الخليفة أكثر من الثوار . حتى تبرَّأ من مقتل الخليفة مَنْ كان مِنْ أشد المحرِّضين عليه ، فهذه أم المؤمنين عائشة كانت تهتف : « اقْتُلُوا نَعْثَلًا فَقَدْ كَفَرَ » « 3 » . وهذا طلحة والزبير ، كانا يواصلان التحريض عليه ويُجرِّدان الجيوش
هامش
( 1 ) تاريخ الطبري ، ج 5 ، ص 112 .
( 2 ) نهج البلاغة ، من كلان له عليه السلام في معنى قتل عثمان . ويقول ابن أبي الحديد في شرح النهج ج 3 ، ص 27 : « سعيد الخدري ، أنه سئل عن مقتل عثمان هل شهده أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال نعم شهده ثمانمائة » .
( 3 ) بحار الأنوار ، ج 32 ، ص 142 .