فانْسَلَّ عبيد الله القائد العام دون أن يُخبر أحداً ، فأصبح الجيش يبحث عن القائد ليُقيم بهم صلاة الصبح فلا يجده ، فقام قيس الثاني للجيش يصلي بالناس الصبح ، ثم لما انتهى خطب فيهم يُهدِّئ روع الناس ، ويُطمْئِنَ قلوبهم ويقول :
إن هذا وأباه لم يأتوا بيوم خيراً قط ، إن أباه عمّ رسول الله ، خرج يقاتله ببدر ، فأسره كعب بن عمرو الأنصاري ، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ فداءه ، فقسّمه بين المسلمين ، وإن أخاه ولاه عليٌّ على البصرة فسرق ماله ، ومال المسلمين ، فاشترى به الجواري ، وزعم أن ذلك له حلال . وإنَّ هذا ولَّاه عليٌّ على اليمن ، فهرب من بسر بن أرطاة وترك ولده ، حتى قُتلوا ، وصنع الآن هذا الذي صنع .
فإذا بالجيش يصبح مؤيداً .
الحمد لله الذي أخرجه من بيننا . إلَّا إنّ هذا الجيش الذي هرب قائده إلى معسكر العدو ، لم يكن في وضع يقاوم جيش معاوية لذلك تفرّق أكثره ولم يبقَ منه إلَّا ربع عدده أربعة آلاف فقط .
وإن هذا العدد الهائل الذي انتقص من اثني عشر بعث الخيبة في نفوس الجند في المقدمة ، كما بعث الخيبة في نفوس سائر الجيش الثاوي في مظلم ساباط ، حيث كان الإمام وحيث كان الجيش الذي انتشرت فيه دعايات معاوية ، التي لازالت تُبث فيه عبر جواسيسه . وبدأ بعضهم يتسللون إلى معاوية وكتب بعضهم إليه : أن لو شئت جئنا بالحسن إليك أسيراً ، ولو شئت قتلناه . وجاءت عطايا معاوية التي زادت على مئة ألف غالباً ، ووعوده بتزويج بناته لهذا القائد أو ذاك .
وهكذا نستطيع أن نعرف مدى ضغط الظروف التي أجبرت الإمام عليه السلام على الصلح ، من هذه الخطبة اللاهبة ، التي ألقاها على
الإمام الحسن (ع) قدوة وأسوة — صفحة 39
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩