وبتعبير آخر : إن الإنسان يسلك إلى المعرفة إما طريق الحس أو التعقل أو الإلهام ، والذي يفقد الثقة بنفسه ، يفقد الثقة بالحس ، وبالتعقل وبالإلهام ، وأخيرا لا يعترف بتلك المعرفة التي تأتيه من هذه الطرق ، ولذلك فهو لا يصل إلى الحقيقة . وليس فقد الثقة بالذات ( أو بوجدان الذات ) يعني بالضرورة إنكار كل مصادر المعرفة ، فربما يكفر الإنسان بذاته عن طريق إنكاره لواحدة من قواه وطاقاته ، كالذي ينكر قدرة الإنسان على التعقل ، وربما يكفر بنفسه في جهة معرفة خاصة ، أو في مقابل شخص واحد ، قد عرف خلاف ما يعرفه . وهكذا يبدو ( وعي الذات ) والثقة بما به من مقدرة على تحصيل المعرفة ، شرطا أساسيا للعلم ، وبفقدها تقع أخطاء فكرية كبيرة .
كما أن من يفقد القدرة على ضبط مصادر المعرفة ، وتوجيهها حسب إرادته ، يفقد تلك المعرفة الآتية منها أيضا . من هنا كان ( وعي الذات ) الذي يستتبع الثقة بمقاييسها ، والقدرة على استخدام تلك المقاييس ، أول وأهم مقدمات المعرفة .
هذا هو الجذر أما النتائج :
1 - الإنغلاق :
الانغلاق دون مصادر المعرفة ، الذي يشكل أضخم كارثة فكرية تصيب البشرية ، وهي من نتائج فقد البشرية الثقة بذاتها .
فالسوفسطائيون والشكاكون ، الذين قالوا إن المعرفة ( أو قدرة البشر عليها ) محال ، تخبطوا في ظلمات الجهل فإذا بهم لا يبصرون شيئا ولا يعقلون .
والمثاليون الذين أنكروا الحس ، والماديون الذين أنكروا العقل وسابقياته ، وأولئك الذين أنكروا الإلهام كمصدر موثوق للمعرفة الجازمة . كلهم حجبوا عن الحقيقة ، بنسبة معينة ورفضوا الاعتراف بأنفسهم ، أو بقدرتهم على المعرفة بذات النسبة بينما كانوا في الحقيقة قادرين عليها .
المنطق الإسلامي (أصوله ومناهجه) — صفحة 211
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١١