الثانية : عندما يتعب الفكر البشري من المنهجية العقلية الجافة ذات البعد الواحد الذي لا يتسع لجميع طاقات البشر وأبعاده ومعادنه ، تماماً مثلما حدث عندما تعبت البشرية من المنهجية العقلية عند اليونان ، فاتجهت مدرسة الإسكندرية شرقاً وفتشت عن حكمة الإشراق في إيران عبر امونيوس أو أفلوطين وخلطتهما بالفكر المشائي وابتدعت الأفلاطونية الجديدة .
وهكذا كان الأمر عند السهروردي ، حيث تعود شهرة فلسفته إلى رفض المنهجية الجامدة عند الفلاسفة المشائيين المجادلين من علماء الكلام .
إن هذا الرفض هو الذي أدى بالسهروردي إلى التطرف نحو الشرق إلى حد أودى بحياته ، ولكنه أصبح عند الكثير من رافضي الثوابت الفلسفية الجاهزة التي استوردت من اليونان حكيماً لا يشق له غبار .
وهكذا نعرف أن مجرد اقتباس السهروردي من أفلاطون دون أرسطو ، واتجاهه إلى الفلسفة الشرقية العتيقة ، لدليل على أن المرحلة الفكرية التي عاشها المسلمون المقلدون للثقافة اليونانية كانت تقتضي مثل ذلك .
هذا بالإضافة إلى أن البيئة الدينية والروح الشرقية كانتا عاملين مساعدين لمثل هذا الاقتباس .
وبهذه النظرية نجمع بين رأيين متباينين في العلاقة بين فلسفة الإشراق وأفكار الشرق القديمة ، أحدهما ينفي التواصل بينهما ويرى أن فلسفة الإشراق إنما هي أصيلة ، والرأي الآخر ينفي أي نوع من الأصالة عنها .
ويذهب إلى الرأي الأول ج . حسن حنفي إذ يقول وهو يوضح رأيه والرأي المعارض :
ليست حكمة الإشراق أو أعمال السهروردي - بوجه عام - تبريراً وجودياً لإحياء التراث الفارسي القديم ، فلسفة أو لاهوتاً أو حكمة أو أساطيراً ، بل هي جزء من التراث الإسلامي تضع مشكلة تعدد المناهج الإسلامية ووحدتها .
العرفان الإسلامي (بين نظريات البشر وبصائر الوحي) — صفحة 99
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٩٩