وقد عُرف عن الغزالي أنه بعد طول معاناته للدراسات الفقهية والكلامية مال إلى التصوف كطريقة ، وسلك مع أهل الطريق ، وتكلم عن القلب والوجد والإدراك الذوقي ، ويوضح لنا ( المنقذ من الضلال ) تاريخاً ممتعاً لحياته العقلية ، وانتهائها إلى تفضيل الذوق الصوفي كطريق للمعرفة « 1 » .
ويشهد ذلك على أن الغزالي طار من على فرع من شجرة الفلسفة ليحط على الفرع الثاني ، فهو في الواقع لم ينتقد الفلسفة ككل ، بقدر ما هاجم فلسفة المشائيين بوجه خاص
يقول - عن ذلك - سليمان دنيا :
ولمّا كان الغزالي قد أكثر من القراءة في كتب الفلاسفة ، وكان للفلاسفة محاولات عقلية تجعل آراءهم أنظر وأبهج من آراء غيرهم ، فربما أبرقت هذه الآراء أمام مرآة قلبه ، فظنها فاضت عليه من خارج وإن نبعث من الخزانة ولم تفض من الخارج « 2 » .
وأما الفرع الذي وقع عليه الغزالي من الفلسفة ؛ فهو فرع الإشراق كما يعتقد د . الآلوسي فيقول : وعندي أن تفسير هذه الظاهرة التي تحيّر أمامها ( دنيا ) ينحل بهذا الذي ذكرته عن تصوف الغزالي العقلي أو فلسفته الإشراقية ، وبأسلوب أوضح أقول : إن العزالي تبنى الفلسفة الفيضية ، وهذا يشكل عنده واحداً من أركان التصوف العقلي أو الإشراقي ، أعني ركن العلم ، مضافاً إليه ركن الإشراق أو الذوق ، وهذا الذي أقوله ليس فقط يؤيده أن كتب الغزالي الخاصة تتضمن فلسفة فيضية واضحة المعالم والخطوط ، وأن كتبه الخاصة ك - ( المشكاة ) مثلًا تتكلم عن إشراق الأنوار حسب نظرية الفيض مع إبدال بعض كلمات الفلاسفة مثل ابن سينا بألفاظ جديدة ، مثل النور وإشراق الأنوار على عادة الغزالي . وقد اعترف هو
هامش
( 1 ) ( ) المصدر ، ص 108 .
( 2 ) ( ) دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ، ص 275 نقلًا عن سليمان دنيا ( الحقيقة في نظر الغزالي ) ، ص 543 - 544 .