ويصر بعض المستشرقين على إرجاع حكمة الإشراق إلى حضارة إيران القديمة قبل ظهور الإسلام ، وهي إيران الزرادشتية ، حتى يجعلها مشكلة إيرانية صرفة لا شأن للإسلام وللحضارة الإسلامية بها ، ويجعل من حكمة الإشراق دين إيران القديم الذي طبع الإسلام بطابعه ، وهو الطابع الإشراقي « 1 » .
والواقع أن الظاهرة الثقافية الواحدة قد تكون متأثرة بأكثر من عامل واحد خارجي أو داخلي ، وظاهرة انبثاق حكمة الإشراق وليدة حاجة ثقافية داخلية هي - كما قلنا آنفاً - تحدي المناهج العقلية ذات البعد الواحد ومتأثرة - في ذات الوقت - بثقافات أجنبية هي الفلسفة الشرقية .
ولا يمكننا أن ننفي تأثير البيئة الداخلية لنمو حكمة الإشراق ، كما لا يصح تغافل الأثر الخارجي ، وضمن هذا الإطار نتحدث فيما يلي عن البيئة الداخلية لهذه الفلسفة والمؤثرات الخارجية .
كيف تطورت فلسفة الإشراق ؟
معروف أن أفكار أرسطو المشائية لم تجد طريقها إلى العالم الإسلامي إلا بعد أن مزجت بالروح الشرقية التي تسربت إلى مدرسة الإسكندرية ، فأكثر الفلاسفة إخلاصاً للمشائية كابن رشد مثلًا ، لم ينج من مؤثرات الروح الشرقية التي اختلطت بها عند مرورها بمدرسة الإسكندرية ، فلقد نسبت إلى أرسطو أفكار أفلاطين التي دونها في كتابه ( أثولوجيا ) .
وهي طافحة بالروح الشرقية التي نجدها في الأفلاطونية الجديدة .
والعرب عرفوا أرسطو من خلال هذا الكتاب ، أكثر من أي كتاب آخر « 2 » .
هامش
( 1 ) ( ) دراسات إسلامية ، ص 222 .
( 2 ) ( ) إن كتاب ( أثولوجيا ) وكتاب ( الخير المحض ) كلاهما بعيدان كل البعد عن تعليم أرسطو الأصيل ، فالأول منهما قد ثبت أنه تلخيص للكتب الثلاثة الأخيرة ( أي الرابع والخامس والسادس ) من ( تاسوعات ) أفلوطين ( تاريخ الفلسفة الإسلامية ، ص 44 ) .