أما التفكر في آيات الله جل ثناؤه فهو أمر ينتهي بنا - بلا شك - إلى الايمان بالله والتقدم على طريق توحيده . ولقد كان النبي الأعظم محمد صلى الله عليه وآله يقوم في الليل ليصلي ثم ينام هنيهة ، ثم يقوم لصلاة أخرى ، وهكذا إلى الثلث الأخير حيث لم يكن ينام فيه . ثم يخرج المرة بعد الأخرى وينظر إلى السماء والنجوم ويقرأ : الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ( آل عمران / 191 )
إن التفكر في النجوم يهديك إلى معرفة الله ، كذلك التفكر في الأفلاك والشمس والقمر ، وفي حياة الناس والخلائق ، وحتى في معيشة النملة الصغيرة كيف تتحرك وكيف تستطيع أن تحمل ما يفوق وزنها سبع مرات ، وفي معيشة النحلة وكيف ألهمها الله جل جلاله أن تصنع خليتها الجميلة والدقيقة وأن تخزن العسل لها ولغيرها ؛ تفكّر في الورود وتفكر في طبيعة الانسجام بين أعضاء الطبيعة ؛ تفكر في خلقك ، في عينيك ويديك وصحتك وفي ألوان وأقسام النعم التي تحيط بك ؛ تفكر في حزنك وفرحك . . أنظر إلى اختلاف الألوان والألسن وانسجام الأمور ، كل شئ يهديك إلى ربك . فإذا تدبرت بفكرة البصير لا شك أن الله سيزيدك من عنده معرفة وايماناً . وهذا هو العرفان الاسلامي الذي لا يحتاج منك أن تذهب يميناً وشمالًا ، كما تنقل القصص عن رابعة العدوية - وهي من المتصوفين المعروفين - حيث كانت جالسة في غرفتها الحالكة الظلام وكان اليوم ربيعياً مشرقاً فدعاها خادمها إلى أن تمتع ناظريها بمنظر الورد والأشجار والجمال الخلاب على ضفاف نهر دجلة ، فأجابته وهي مغمضة العينين من داخل غرفتها
مبادئ الحكمة (بين هدى الوحي وتصورات الفلسفة) — صفحة 147
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٧