أخبركم بما هو أخوف عندي منه ؟ قلنا : بلى يا رسول الله . قال : الشرك الخفي ، أن يقوم الرجل يعمل لمكان رجل ؛ ( أي رياءً ) . « 1 »
ونستفيد من الآية ؛ إن من أهداف المنافقين تجريد النبي من صفة الرسالة ، ونعته بالصفات المادية مثل قيادة الناس . . ويبقى سؤال آخر : هل هذا النهي كان نهياً تشريعياً دائماً كالنهي عن شرب الخمر مثلًا ، أم كان نهياً ( ولائياً ) مصدره قرار سياسي مؤقت بسبب الظروف الأمنية ؟
الثاني هو الأقرب ، لأنه لا دلالة على حرمة النجوى بصورة عامة كحرمة شرب الخمر ، ولأن كلمة " نهوا " مجملة ولا دلالة فيها على مصدر النهي ونوعه . ولو كان مصدره ونوعه النهي التشريعي ، لكان الأجدر أن يقال : نهاهم الله أو ما أشبه .
4 / وقد أمر القرآن المسلمين بأنهم إن تناجوا فليحذروا تجاوز حدود التقوى في النجوى ، وهي الإثم وارتكاب ما حرّم الله مثل الحمية الجاهلية ، وأن يسخر قوم من قوم ، ثم العدوان وهو نتيجة الإثم باستلاب الناس حقوقهم وحرياتهم والتعالي عليهم وظلمهم والبغي عليهم . . ثم معصية الرسول ومشاققته . قال الله سبحانه : ( يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيهِ تُحْشَرُونَ ) ( المجادلة / 9 )
بلى ؛ التناجي بالبرّ الذي هو التصدق على الناس ، والتقيد بحدود الله سبحانه ( التقوى ) ، وذلك في التعامل مع الآخرين ، إنه أمر مرغوب فيه . ويرى العلامة الطباطبائي ( ره ) في تفسيره الميزان أن الآية حسب دلالة سياق الآيات لا تخلو من دلالة على رفع الحظر ( عن النجوى ) ، وقد خوطب فيها المؤمنون فأجيز لهم النجوى ، واشترط عليهم أن لا يكون تناجياً بالإثم والعدوان ومعصية الرسول . « 2 »
5 / وأخيراً هل النجوى بذاتها مرغوب فيها ، أم لا . . ؟ لعل الآية التالية توضح أنها بذاتها غير حميدة ، إلّا إذا كانت هناك ضرورة داعية إليها ، حيث قال ربنا سبحانه : ( إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ) ( المجادلة / 10 )
وبعد تلاوة هذه الآيات الكريمة ، ما هي البصائر التشريعية التي نستفيد منها ؟ يبدو لي أن هناك عدة بصائر :
هامش
( 1 ) تفسير الجامع لاحكام القرآن للقرطبي ج 17 ، ص 291 .
( 2 ) تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 187 .