فإن الله سبحانه لم يحوج الزوج إلى زوجته إلّا بقدر ما جعلها محتاجة إليه ، لكي لا يهان أحد بالافتقار إلى الثاني . وتلك من أمثلة الكرامة ، ليس في البشر فقط ، وإنما في كل زوجين خلقهما الله سبحانه .
3 / وكذلك استأدى ربنا ميثاق فطرتنا ، واستثار في وجداننا ما أغرز فيه من حب الوالدين الذين هما قناة انهمار نعمه سبحانه علينا ، وفرض علينا شكرهما واكرامهما . فقال تعالى في سورة لقمان : ( وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ امُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) ( لقمان / 14 ) ، وقال تعالى : ( وَقَضَى رَبُّكَ الَّا تَعْبُدُوا إِلآَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَهُمَآ افٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيماً ) ( الاسراء / 23 )
كيف نكرم الوالدين ، أليس باحترامهما وبالسعي الدائب في قضاء حوائجهما ؟ كذلك الاكرام حيث تتوضح لدينا من هذه الأمثلة حقائق الكرامة ، ومعانيها اللطيفة .
باء : الانسان ذلك الكريم
ولقد أكرم الله بني آدم بكرامات عامة وأخرى خاصة .
1 / لقد سخّر الله لبني آدم قوى الطبيعة بما وهب لهم من قدرات ، لم يعطها لغيرهم من الأحياء على الأرض . فقال سبحانه : ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي ءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا ) ( الاسراء / 70 )
لقد وهب الله للانسان العقل والإرادة ، وخلقه خلقاً سوياً ؛ ساعده كل ذلك على تسخير الطبيعة ، والهيمنة على سائر الأحياء . فامتطى صهوة الريح بالطائرات ، وخاض عباب البحر بالسفن العابرة للقارات ، وفلق الذرة وغزى الفضاء واستفاد من أطيب اللحوم والثمرات . . إنها تكريم عظيم .
2 / وكرّم بني آدم بالهداية بالرسل والكتب ، وكذلك بالشرائع التي نظمت حياتهم الاجتماعية ووفرت لهم فرصة بناء الحضارات الشامخة .
إن الله سبحانه أكرم بني آدم كرامة بالغة حينما أمره بعبادته وحده ، ونبذ عبادة الطبيعة أو عبادة بعضهم لبعض . أوليس ذلك تعالياً للبشر إلى أعلى مستوى ممكن ، حيث أغناهم بعبادته عن عبادة ما سواه ؟ قال الله سبحانه على لسان يوسف الصديق : ( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ ءَابآءِي