ومن هذا الحكم نعرف مدى أهمية اليمين ، وكيف يمكن جعله وسيلة لشد آصرة الناس ببعضهم حتى تكون شبيهة للعلاقة الطبيعية ، المتمثلة في الأسرة . وهذا التشريع يوفر إمكانيات كبيرة لليمين ( لو احترمت بين الناس ) فقد تكون أساساً للعلاقة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية ، وتوفر المزيد من التقدم والرفاه للناس .
ثانياً : مواقع اليمين
متى نحلف يميناً بالله ، ومتى نكف ؟ عند الحاجة لا بأس بالقسم ، كما إذا شككنا في الشهداء على الوصية . ولكن لا نحلف على ترك البر والتقوى والإصلاح ، ولا يجوز أن نحلف بالله على ما لا نعمل به ( كما كان يحلف الكفار على أنهم سوف يؤمنون لو جاءتهم آيات معينة ) .
1 / لقد نهى الدين استخدام اليمين بالله سبحانه ، لكي يوقر المرء ربه ، ولا يجعله عرضة لأيمانه . وقد كان من صفات المنافق أنه حلّاف مهين . قال الله سبحانه : ( وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لإيمانكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ( البقرة / 224 )
والذي يناسب السياق في تفسير الآية الكريمة ، ويناسب القصة التي تروى في سبب نزولها كما تناسب أيضاً بعض الأحاديث المأثورة ، هو النهي عن الحلف بالله سبحانه ، لما هو مرجوح وليس فيه بر أو تقوى أو إصلاح . كما يحلف الزوج بعدم مقاربة زوجته ، والذي يسمى بالإيلاء ، حيث يجب عليه نكث يمينه وإعطاء الكفارة والعودة إليها أو الطلاق .
وهكذا نستفيد من الآية ؛ إن الحلف بما فيه برّ أو تقوى أو إصلاح بين الناس لا بأس به وإن كان مكروهاً شرعاً ، وإنما الحلف بالله لما يخالفه حلف منهي عنه . وإذا حلف المرء لم يلزمه في ترك البرّ والتقوى أو الإصلاح .
وقد وردت أحاديث في النهي عن اليمين صادقاً بالله إلّا لضرورة ، كما وردت أحاديث في عدم صحة اليمين على ترك البر والتقوى ؛ دعنا نستمع إلى القسم الأول من الأحاديث :
أ - روي عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : " من حلف بالله كاذباً كفر ، ومن حلف بالله صادقاً أثم . إن الله يقول : ( وَلَا تَجْعَلُواْ اللّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ ) " . « 1 »
ب - وفي معرض نهيه عن اليمين ( بغير ضرورة ) روي عن الإمام الصادق عليه السلام ، أنه قال : " لو حلف الرجل أن لا يحك أنفه بالحائط ، لابتلاه الله حتى يحك أنفه بالحائط " . « 2 »
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل ، ج 16 ، ص 35 ، ح 2 .
( 2 ) المصدر ، ص 35 - 36 ، ح 5 .