والمؤمنون يسألون ربهم أن يثبت أقدامهم ، ويقول تعالى : ( وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلآَّ أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ) ( آل عمران / 147 )
فالقدم الثابت قدم صدق ، لأن الصدق هو المطابق للواقع . وإذا وضعت رجلك في موقع مناسب ، بحيث استقرت فيه أو تطابقت مع الأرض ، فقد تثبت ولا تزول .
2 / والمقعد الصدق هو الذي يستقر بصاحبه ويطابقه ويناسبه ، فلا يزعج عنه . ولعل هذا معنى قوله سبحانه : ( فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ) ( القمر / 55 )
3 / وإذا دخل الانسان مدخلًا يناسبه ، دخله بثبات قدم ، وبجهد كاف ، وبحكمة بالغة ، فإنه قد دخل مدخل صدق . أما إذا دخل في موقع لا يناسبه ، أو لم يبذل الجهد الكافي للعمل الذي دخل فيه ، أو خرج منه قبل أن يستكمل العمل ، فإنه قد دخل مدخلًا غير صدق ، وخرج مخرجاً غير صدق .
وهكذا يدعو المؤمنون ربهم أن يدخلهم مدخل صدق ويخرجهم مخرج صدق ، لأن ذلك وسيلة إلى نعمة كبيرة ، هي أن يجعل الله لهم من لدنه سلطاناً نصيراً . قال الله سبحانه : ( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِي مِن لَدُنكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ) ( الاسراء / 80 )
الانسان يريد أن يبلغ النتائج من دون جهد كاف في المقدمات ؛ يريد علماً بلا تعلم ، مالًا بلا جهد ، ومنعة بلا تضحية . وهذا قد يحصل ، ولكنه غير نافع كثيراً ، وغير حاصل دائماً . انما الرشد في أن تحصل على نعمة العلم والمال والعزة وأنت تستحقها بجدارة ، لأنك بذلت جهداً كافياً لها ، وقد وصلت إلى غايتك بعد أن توفرت فيك المؤهلات الكافية .
وهذا صحيح بالنسبة إلى كل النعم ، ولعله أصدق ما يكون بالنسبة إلى نعمة الرئاسة ، إذ أكثر الناس يتمنونها من دون أن يوفروا في أنفسهم مؤهلاتها . ويبدو أن خاتمة الآية تشير إلى أن السلطان والنصرة يستحقها من يوفقه الله سبحانه ليدخل مدخل صدق ويخرج مخرج صدق .
4 / واللسان الصادق قد يكون لك ، وقد يكون عليك . فإذا كنت صالحاً فان ذلك اللسان يمدحك بصدق ، وإلّا فإنه لا يمدحك ، بل وقد يذمك لا سمح الله . ولعل هذا هو السبب الذي يدعو المؤمنين إلى طلب لسان الصدق ؛ أي أن يعملوا عملًا صالحاً ، ثم يراه الصادقون من عباد
الله ويثنون عليهم بما عملوه من صالح الأعمال . قال الله سبحانه : ( وَاجْعَل لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الاخِرِينَ ) ( الشعراء / 84 )
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 140
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٤٠