الضراعة - إذا - العودة إلى حقيقة الذات بلا حجاب ومن الصعب ان يبلغ الإنسان هذا المستوى الرفيع الا عند نزول كارثة عظمى عليه ، حيث تتساقط عن بصيرته ، حجب الأوهام ، ويواجه الحقيقة بصراحة بالغة .
2 - ومن هنا كانت حكمة البأساء والضراء هي توفير شرط الضراعة للأمم ، بعد ان يبعث الله إليهم الرسل ، فقال الله سبحانه :
( قل أرأيتكم ان أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون ان كنتم صادقين ، بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه وتنسون ما تشركون ، ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون ، فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزيهن لهم الشيطان ما كانوا يعملون ) « 1 » .
أفلا ترى : كيف كان عذاب الله سببا في تساقط أوثان الشرك ، والعودة إلى صفاء الوحدانية بإخلاص الدعاء لله سبحانه ، لماذا ؟ لان البشر يومئذ يواجه الحق بلا زيف ولا حجاب ، كذلك عند البأساء والضراء يصل كثير من الناس إلى ذات الصفاء ، فيتضرعون إلى الله ويعترفون بعجزهم وبقدرة الله ، وكذلك بزيف ما كانوا يدعون من دونه . ولكن البعض يرين على قلبه اثر السيئات التي كان يرتكبها ، فلا يتضرع فيأخذه الله بغتة فإذا هم مبلسون .
3 - وفي آيات متشابهة - في سورة الأعراف - يذكرنا بهذه الحقيقة ، التي هي أقرب دليل فطري على التوحيد ، وقد ذكر به الكتاب بكلمات متشابهة ، يقول ربنا سبحانه :
( وما أرسلنا في قرية من نبي الا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء ، فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ) « 2 » .
ونستلهم من هذه الآية أن الضراعة حكمة الكوارث الطبيعية أو الحروب البشرية ، والأمة التي تستفيد منها هي التي ترجع إلى برنامج الرسالة التي تحدد منهاج الخلاص .
هامش
( 1 ) - الانعام / 40 - 43 .
( 2 ) - الأعراف / 94 - 95 .