تجلى فيها عقله وسمى به إلى ذروة الوعي ، حيث عاد إلى وطن نفسه بعد غربة متمادية ، فعرف افاقها ، واكتشف كنوزها ، وتحرر من قيودها وحطم أصنامها المتمثلة في تقديس الغابرين ، وتقليد الآخرين ، وتطلع إلى حيث الحقيقة المشهودة له بلا حجاب .
وليس ما نجده اليوم من حضارات بشرية شامخة نفتخر بها ، أو تقدم علمي عظيم ننعم بخيراته ، الا ببركة تلك التجليات حيث انتفض العقل في بعض الناس ، وفي بعض الحالات فقط .
اما في الحالات الأخرى فان الناس - أكثر الناس - تراهم في غيبة من عقولهم فماذا كانوا يفعلون ؟
انما كانوا يتبعون الآخرين ، اتباع الفصيل لأمه ، فربما قلدوا السلف ، وربما أطاعوا الكبراء ، أو انبهروا بتقدم الآخرين وغلبهم ، فذابوا فيهم كما ذابت حبة الملح في محيط هائج .
ان نزعة الاتباع مغروزة في البشر ، لا يكاد يتحرر منها ، وان الخشية من عواقب التمرد ، والهيبة من اقتحام المجهول ، لتؤكدان فيه هذه النزعة .
والنفس الأمارة بالسوء . والشيطان الغوي يزينان للإنسان سلبياته ويبرران له تخلفه ، وطاعته للجبت والطاغوت . وهكذا يعيش الانسان في نسيج من الافكار التبريرية . الاعذار والتسولات ويصبح الانسان خصيما مبينا ، كما يكون أكثر شيئا جدلا .
من ذلك افتراءه على ربه كذبا ، فتراه يحرم بهواه على نفسه ما يخشاه أو يهابه ، وكذلك تجده يقدس تراث اباءه ، وتقاليدهم ، ويرى الخروج عليها هرطقة وكفرا .
هكذا يسمي هيبته من افتحام غمار الحياة ، حكمة وتقوى ، واحتياطا وحذرا .
لذلك فان الشعوب المتخلفة يهتمون بالحرام أكثر من اهتمامهم بالواجب وسلسلة المحظورات عندهم اعرض من قائمة الفرائض ، وهم يميلون إلى التوقف ، لا الإقدام والى الجمود لا الكدح والعمل لأنهم لا يثقون بأنفسهم ، وانى لهم الثقة بها وهم لم يستثيروا عقولهم ومن لم يكتشفوا كنوز أنفسهم وقدراتها ، ولم يتمتعوا بلذة التحرر والانطلاق .
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 64
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٦٤