تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده) — صفحة 33

مساهمون:

ص٣٣
الثقافي ، فكثير من الافكار والقيم الخلقية يجب ان تتطور وفق المتغيرات في الناس أو في ظروفهم القاهرة . فإذا انكفأت روحية الناس ، وانطووا على أنفسهم ، واخذوا يتشبثون بنصوص الزهد في الدنيا ، لترك مسؤولياتهم الحياتية ، والتقاعس عن الكدح وعن الوفاء بواجبات عمارة الأرض ، هنالك يجب على اولي البصائر والذكر ان يقرأوا عليهم آيات السعي والجهاد ، واعمار الأرض واصلاحها ، ويركزوا على القيم الاجتماعية التي تتنافى روح العزلة والانطواء . وإذا توغلوا في الدنيا ، وتركوا الآخرة لها ، يجب ترغيبهم في ثواب الله ، وتزهيدهم في درجات الدنيا . وإذا تواكلوا زاعمين ان الله ينصرهم على أعدائهم بمجرد التمني ، يجب بيان شروط التوكل على الله حتى يرزقهم النصر ، وإذا اعتمدوا على قوتهم واغتروا بها يجب التركيز على العامل الغيبي في الحياة . وهكذا مع اختلاف روح المجتمع . يختلف التوجيه الثقافي كما إذا اختلفت الظروف القاهرة لابد ان تختلف حسبها الثقافة ، فقد يبتلي الناس باحتلال أجنبي أو ديكتاتورية قمعية ، أو تحد اقتصادي كبير ، وقد يعيشون لهب الثورة المسلحة ، وتهور العمليات الانتحارية ، وقد تظللهم بركات الله فيعيشون الترف وتنتشر بينهم امراضه . . في كل وضع لابد ان يختار فقهاء الاسلام ، العلماء ، ببصائر الوحي ، منهجا معينا لتوجيههم ، فقد يعبئون الناس ضد الأجنبي ، وقد يأمرونهم بالتقاة من كيد الطاغوت ، وقد يفرضون عليهم الكدح المضاعف لمواجهة التحديات الاقتصادية ، وقد يرغبونهم في التروي واختيار الأساليب الهادئة ، وهكذا . . ان الحكمة تقتضي اختيار الفكرة المناسبة ، . للوضع المناسب . فقد يكون الكذب صدقا عند الله ( كما في الاصلاح ) وقد يكون الصدق كذبا عند الله ( كما في النميمة ) وقد تكون الخدعة عبادة ( كما في الحرب ) وقد يصبح التكبر محبوبا ( كما التكبر امام المتكبر ) . وبكلمة : ان تكوير المناهج ضمن دائرة القيم الشرعية ، ضرورة تقتضيها الحكمة التي أمرنا بها حيث قال ربنا سبحانه : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة