( الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان فسئل به خبيرا ) . « 1 »
وهذا أيضا حكم الفطرة السليمة ، وإذا لم يكن كل ذلك فإنه يعود إلى العرف الذي قال عنه سبحانه :
( خذ العفو وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين ) « 2 » والعرف في حقيقته خلاصة عقول الناس وهو خبرة متراكمة ، وهذا يتصل بحجية الشورى وللشورى أصلان :
ألف : تراكم الخبرة وتكثيف التجارب ، لان الناس ، هم معدن الحكمة التاريخية ، ومرتكز التجارب المتواردة ، من هنا جاء في الحديث : ( من شاور الرجال شارء ها في عقولهم )
والشورى هي السبيل الطبيعي لاستنباط التجارب من معادنها ، وبلورة الرؤى والنظريات من مراكزها ، لماذا ؟
أولا : لان الشورى تستحث الناس على التفكر ، وتوقظ فيهم حس البحث ، وتحرضهم على الحوار البناء لمعرفة الحقائق .
ومن دون ما يحرض الفكر يبقى التفكر صعبا للغاية ، ويفضل أكثر الناس ان يجدوا من يفكر عنهم ، ولايتجشموا عناء التفكير المستقل ولذلك ترى المجتمعات الديكتاتورية أكثر غباء من المجتمع الحر .
ثانيا : في المجتمع قنوات طبيعية تجتمع فيه شتات الفكر ، وتصغى عن اكرارها ، فالاسرة تلك الخلية الأولى في حياة المجتمع ثم العشيرة ، ثم الصحبة بالجوار أو بالجنب أو في الشغل أو في الدارسة ، ثم التجمعات العلمية والسياسية والاقتصادية .
وهذه القنوات لو استغلت - عبر الشورى - لتجميع شتات الخبرة ثم تركيزها وايصالها إلى دماغ المجتمع المتمثل في القيادة ، كانت أعظم فائدة من كثير من مراكز البحث ، التي هي حالة اصطناعية ذات تكاليف باهضة وفوائد غير مضمونة .
هامش
( 1 ) - سورة الفرقان / 59
( 2 ) - سورة الأعراف / 199