النفوس ، والذي هم بمثابة تيار متدفق من نور القيم الإلهية يمد القلوب الواعية بالاشعاع لحظة بلحظة .
وبالرغم من أن عصور التخلف فصلت المسلمين عن التدبر في القرآن والانفتاح على آياته ، التي هي ركائز مجدهم ووقود حضارتهم ، ولكنه - مع كل ذلك الجفاء - لا يزال يمنحهم البصائر والهدى ، فهو عيبة نور الله ، وينبوع معارفه ، وكنز علمه ، بلى الكارثة العظمى انما وقعت علينا ، عندما فصل العقل عن القرآن ، فرسب ضمير الانسان في اوحال الخرافة والشهوة ، وأصبح كتاب الله مهجورا بين أهله ، لأنه لم يتل حق تلاوته . وانما احتجب الانسان عنه بالأفكار التي حملت آياته تحميلا ، وتفسيرات كلفت تكلفا مبينا .
ولو اهتدى العقل بالكتاب ، وقرأ الكتاب بالعقل ، وتجرد الانسان عن مسبقاته ورواسبه ، وعاد غضا نضرا يستقبل آيات الذكر ببراءة الطفل الوديع ، وبوعي الواله العاشق للحقيقة ، وبروح المتبتل الطاهر من الريب والشك والعقد إذا لتميز في وعي الانسان ، العقل عن الهوى ، والضمير عن الشهوات ، والوجدان عن العقد ، ولكان ذلك العقل نوره الذي يكتشف به الحق عن الباطل في كل شئ .
ما هي القيم الحق ؟
لو درجنا على الكلمات القرانية ، لقلنا - بدل القيم - الحكم ، ولكانت هذه الحكم حلقة في سلسلة قبلها الهدى والبصائر ، وبعدها الشرعة والمنهاج والحدود والاحكام . « 1 »
وفي مناسبة أخرى نرجو التوفيق لبيان كلمات القرآن هذه التي فيها ايحاءات مفيدة ، اما هنا فنستمر على التعبير بالقيم استعارة من الأدب الحديث والكلمات الدارجة فيه ، فما هي القيم هذه ؟
انها كيان رصين هرمي الشكل في قمته يتجلى نور التوحيد ، ومن ثم أسماء الله الحسنى ، وبعدها يأتي دور الايمان كصلة بين الحق والخلق ، ومن الايمان تجري روافد القيم ، تعالوا - إذا - نتأمل في ابعاد الايمان ونتسأل ما هو حقيقته ؟ وقبل الإجابة
هامش
( 1 ) - بحول الله وبمشيئته النافذة سوف نتحدث في الجزء الثالث من الكتاب عن روح الشريعة ومقاصدها مما يتيح لنا فرصة تفسير هذه الكلمات .