جيم : مرجعية المُحكمات
لأنّ في كتاب ربنا محكمات هُنَّ أم الكتاب ، وهي الأصول التي فيها جوامع الحِكَم والتي يصدِّقها العقل ، فإنها تكون دائما مرجع الآيات التي تبدو متشابهة بادئ الرأي ، فإذا أُرجِعت إلى المحكمات أصبحت هي الأخرى ، محكمات ومرجعاً لمتشابهات أخرى ، وبهذه المنهجية المستمرة يتقدم الفقيه خطوة بعد خطوة نحو كشف أسرار القرآن ومن ثَمَّ معرفة لغته ، وبالتالي معرفة لغة الحديث .
دال : تفسير المعاصرين للنص
العرف العام الذي رافق تَنزُّل الكتاب ، وهم المعاصرون للرسول أو لمن عاصره ، وكذلك المعاصرون لأئمة الهدى ومن عاصرهم ، هؤلاء يُعتبرون أقرب لغة وأحسن فهماً لمصادر الوحي ، وهكذا نستفيد من فهمهم للنصوص .
وهذه الاستفادة سوف لا تقتصر على فهمنا لمفردة من مفردات اللغة ، بل الأهم هو النفاذ إلى منهجية أولئك في فهم نصوص الوحي بلا تكلّف ولا تأويلات بعيدة .
وختاماً نقول : إذا اجتهد الفقيه ، ومن خلال تظافر هذه الأدلة وغيرها ، لِكشف آليّة اللغة التي نطق بها الوحي وأهله ، فإنّه يتقدم خطوة أساسية في معرفة أحكام الدين وتجاوز المسافة الزمنيّة التي تفصله عن عصر الوحي ولغة ذلك العصر ، والأهم من ذلك تسديد الرب له بعد الإنابة إليه .
خامساً : توافق العقل والوحي
جوامع العلم ، وأصول المعرفة ، وركائز الهدى ، وبصائر الوحي ، هي تلك الحقائق الكبرى التي أودعها الله سبحانه في كل عقل ، وهي ميزان معرفة الإنسان ، ولولاها لتاهت البشرية ، ولم يعرفوا ربهم ولا الرسول والحجة . وهي الفطرة التي فطر ربنا الناس عليها ، وهي المسبَّقات العقلية التي يُجْمِع عليها الناس على اختلاف مذاهبهم وطبائعهم ، وهي الحجة فيما بينهم .
وهذه الأصول العقلية هي التي يوقظها الوحي في الإنسان لتصبح ركيزة لسائر شرائعه ووصاياه .