2 - الوضع بين المصداق والمفهوم
يبقى سؤال : لماذا وُضِعَت الكلمات ؟ هل لما يفهمه الانسان ويختزنه في مخه من رموز وتصورات ، أو للإشارة إلى الحقائق الخارجية التي نتعامل معها يوميا ؟ حيث يُسمى الأول مفهوماً ( ويعبِّر عنه البعض افهوم ) والثاني مصداقاً ؟
إنَّ أغلب الأصوليين وربما تبعا للمناطقة والفلاسفة جعلوا الكلمات موضوعة للمفاهيم الذهنية . ويبدو أنَّ هذا هو رأي علماء الألسنية اليوم ، بينما الرأي الآخر الذي نذهب إليه يعتقد إنّ الكلمات إنّما وُضِعَت كإشارات إلى الحقائق الخارجية التي تُسمى ب - ( المصداق ) .
دعنا - إذاً - نبحث في هذين الرأيين :
ألف : الدلالة على المفهوم .
يقول المحقق الروحاني :
« إنّه من المتقرر امتناع وضع اللفظ للموجودات الخارجية بما هي كذلك ، بل لابد من تعلقه بالمفهوم ، لأنَّ المقصود منه تحقق انتقال المعنى الموضوع له بالانتقال إلى اللفظ ، والمعنى القابل للانتقال هو المفهوم دون الموجود « 1 » » .
أمّا العالم اللسانيّ " اولمان
Ulmann "
فإنه يوضِّح هذا الرأي بما يحكيه د . قدور :
« اللفظ عنده هو الصيغة الخارجية للكلمة ، على حين إنّ المدلول هو الفكرة التي يستدعيها اللفظ ، ويرى اولمان : أنّ العلاقة بين اللفظ والمدلول علاقة متبادلة . » ثم يقول : « لقد انطلق تحليل اولمان السابق من استبعاد ( الشيء ) أي المرجع وهو الركن الثالث في المثلث « 2 » ، لأنَّ دارس اللغة - كما يقول - إنما تهمه الكلمات لا الأشياء » .
ثم قال : « والعلاقة الوحيدة التي تربط الشيء بأيّ طرف آخر في المثلث هي التي تكون بينه وبين الفكرة المدلول » « 3 » .
هامش
( 1 ) - منتقى الأصول ، ج 1 ، ص 62 .
( 2 ) - يعني بالمثلث الرسم الذي أشار إليه في سياق حديثه ، وزواياه : الواقع الخارجي أو الشيء ( ويطلقون عليه : المرجع ) ، ومعناه في الذهن ( المدلول ) ، ومعناه في الخارج ( الدال ) .
( 3 ) - مبادئ اللسانيّات ، ص 290 - 291 .