يتم وبسرعة فائقة إستعراضها وتقييمها وتطويرها .
وهذا الرمز يختلف في رأي الكثير عن التصوّر التفصيلي الذي يستفيد منه خيال البشر ، حيث يستحضر الذهن به تفاصيل ما يعرفه من الأشياء ، والذي يسميه العرب بالظن - حسبما يبدو لي - فإنك مثلا تعرف إجمالا وجود الجنة والنار ويوم الحساب ، ولكنك قد تستعرض بظنك وتصوّرك التفصيلي صورة كل هذه الحقائق فيخشع قلبك وتدمع عينك وتلجأ إلى الله للنجاة من النار والفوز بالجنة .
ويضرب دوسوسير مثلا لهذا التصوّر ( التخيّل ) بالذي ينشد أبياتا من قصيدة شعريّة دون أنْ يحرّك شفتيه أو لسانه « 1 » .
2 - بعد مرحلة الرمزيّة الاجماليّة والتصوّر التفصيلي تأتي مرحلة التعبير عنه ، حيث يبدء بالإشارة ( قد تكون باليد أو بقسمات الوجه أو بالرسم أو بأصوات بدائيّة قريبة من اللغة مثل حكاية صوت الحيوان للدلالة عليه ، مثل : ماو ميو كاسم للهرة ) وبعد الإشارة يتم اختراع الأسماء حيث يبدو لي أنّه أول الكلام .
3 - ويقوم الذهن بالتعاطي مع الرموز وإيجاد شبكة واسعة من العلاقات بينها ثم يحاول التعبير عنها بالكلمات ، وهكذا تتطوّر اللغة ، وعادةً ما تقصر الكلمات عن الإحاطة بالمعاني التي تجول في الخواطر ، ومن هنا لا يخلو كل كلام من الإشارة أو من التنغيم والتركيز على بعض الحروف ، أو ترتيلها ومدّها والسكون على بعضها وما أشبه ، مما يتناوله علم العَروض حديثاً وعلم التجويد قديماً « 2 » .
وهذه العلاقات التي يتعرّف عليها الانسان خارجاً ، كالعلاقة بين الفاعل والمفعول ، والعلة والمعلول ، والظرف والمظروف ، وكذلك تلك العلاقات التي يضعها الذهن بين الأشياء ، مثل ما تفرزه مخيّلة العاشقين والشعراء ، كلها بحاجة إلى أداة للتعبير ، والأداة هي الحروف والهيئات ( مثل : الفعل وأسماء الفاعلين والمفعولين وما أشبه ) .
ويستخدم الفكر قواعد في إيجاد الترابط بين الصور والرموز ( الأفكار ) وهذه القواعد هي التي يحاول النُحاة والمناطقة معرفتها وتسجيلها في علم النحو أو علم المنطق « 3 » .
هامش
( 1 ) - المصدر .
( 2 ) - انظر : مدخل إلى الألسنية ، الفصل الحادي والعشرون ، علم العروض ، ص 144 - 148 .
( 3 ) - انظر : المصدر ، ص 88 .