التقطه من اليمِّ وربَّاه صغيراً ، جاهلًا - أو متجاهلًا - أن الله سبحانه وتعالى هو الذي ساق موسى الرضيع إلى قصره ، حتى أن استقباله لموسى كان أمراً محتوماً ، تبعاً لإرادة الله وقضائه . هذا بالإضافة إلى أن فرعون نفسه كان يُعاني الشعور بالوحدة لعُقمه ، أو لعدم قدرة زوجته المؤمنة على الإنجاب بحكمة من الله تبارك وتعالى .
فكان حضور موسى في قصر فرعون ، نعمة من الله ومِنّة منه على فرعون ؛ أي إنه كان من المتوقَّع لفرعون أن يُؤمن ويترك الطغيان على اعتبار أن الله هو المنعم ، وهو ذو المنة عليه ، حيث رزقه طفلًا يعجز الناظر إليه إلَّا أن يحبه ، وهو الذي قال الله تعالى بحقه : أَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْني « 1 » .
أقول : لقد كان ديدن فرعون الطاغية أن يمنّ على رعيته ، حتى إنه كان ينسب وجود كل شيء إلى نفسه ، باعتباره ربَّ الناس الأعلى ، وذلك تعريضاً منه لهم لعملية غسل دماغ كبيرة ، وليرزحوا - دائماً وأبداً - بالشعور بالامتنان له ، لردعهم عن التفكير بما يضر به .
2 - لَبِثْتَ فينا مِنْ عُمُرِكَ سِنينَ
كان فرعون يتوقع من موسى أن يخضع لعملية غسل الدماغ ، وذلك يظهر من قوله له : لَبِثْتَ فينا ، أي إنك كنت خاضعاً للأجواء التي اصطنعناها ، وحيث إنك - يا موسى - لم تتأثر بتلكم الأجواء ، فأنت مُدان لتمرُّدك هذا .
كما أراد فرعون القول بأن القاعدة الطبيعية والمنطقية هي استسلام موسى ( ع ) له ، باعتباره الربَّ الأعلى ، وباعتباره صاحب
هامش
( 1 ) سورة طه ، آية : 39 .