فلا عجب - إذن - من أمر الله تعالى بخروج الناقة من بين صخور الجبل . غير أن ثمودَ لم يُصدِّقوا ما كانوا قد رأوا بادئ الأمر ، ولكن صالحاً ( ع ) عاد بهم إلى رشدهم ، إذ قال لهم هذِهِ ناقَةٌ ، لأنهم كانوا يعرفون أن الناقة إنما تخرج من رحم أمها ؛ لا من رحم الجبل . ولكنهم لم يجدوا بُدًّا من التصديق حينما رأوها ، تمشي وتحنُّ إلى فصيلها ، ويسمع صوتها القريب والبعيد .
فهي ليست مجرد ناقة عادية ، فهي من أمر الله تعالى الذي يفوق قدرة التصوُّر البشري ، لا سيما وأن طغيان ثمود كان يسوقهم إلى الظن بأن صالحاً ( ع ) سيعجز عن إثبات نبوته ، حينما تحدَّوه بالإتيان بآية مبصرة .
2 - لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ
ولقد كان يسيراً على الله تبارك وتعالى أن يجعل ناقته غنية عن الشراب أو الطعام ما دامت تُجسِّد المعجزة .
ولكن تخصيصها بهذه الميزة يُنبئ عن أمر مُقدَّر من جانب الله تعالى ، وهو امتحان ثمود وتحميلهم مسؤولية مطالبتهم بالمعجزة ، والتمهيد لعقابهم على جريرتهم الأولى والكبيرة ، وهي : تكذيب المرسلين ، والكفر بالله خالق الخلائق . فأراد الله تعالى أن يرتقي بقوم ثمود إلى عالم المسؤولية تجاه نبيِّهم ، وتجاه ما جرى على يده من الأمر المعجز ، ويمتحن مدى تصديقهم للرسالة .
وكان من أول معالم عالم المسؤولية والنُّضج المتوقعة من قوم ثمود ، أن يهجروا ترفهم ، فيعترفوا بحرمة النبي ، وحرمة المعجزة ، ويتقيَّدوا بلوازم هذه المعجزة ، فلا يعتدوا عليها بما رسم الله لها من الميزات ، ومنها : تخصيصها بيوم يكون لها فيه شرب .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 392
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٩٢