وقد تبيَّن لنا من السياقات القرآنية السابقة أنْ ما من تجمُّع بشري قد انتهى إلَّا بعد أن أتاه النذير ، إذ الله تبارك وتعالى أرحم بعباده من أن يُهلكهم بلا سابق إنذار .
ومما تكشفه لنا هذه الآية الشريفة أن ثمود بتكذيبها رسولها صالح ( ع ) تكون قد كذّبت بجميع المرسلين ؛ ذلك لأن التكذيب ببعض الحق ينجرّ إلى التكذيب بالحق كله ، لأن الحق لا يتجزأ .
لماذا ؟ .
لأنه إذا كان المعيار لدى الإنسان هو الحق ، فلا يمكن تصوُّر الإيمان ببعض الحق دون البعض . أما إذا كان المعيار عند الفرد هوى النفس ، أو اتّباع المجتمع ، فإنه ليس حقًّا .
أرأيت من يؤمن بالصلاة ويؤديها ، ولكنه في الوقت نفسه يجحد فريضة الصيام أو الحج ؟ . أَوَلَيس مثله يُعدّ في عرف الشرع مرتداً ، لأنه رضي لنفسه أن يكون ندًّا لله عزَّ وجلَّ في شرعه ؛ كمن يجعل لربِّه ندًّا وشريكاً في وجوده ؟ .
ولعل ثمود قد أُرسِل إليها أكثر من رسول في الحقبة التي تواجد فيها النبي صالح ( ع ) بين ظهرانيهم ، أو إن ثمود حين كذَّبت بالرسول صالح تكون قد اختارت تكذيب من سبقه من المرسلين .
فكان كفرهم بهذا الرسول منتهى التكذيب بسلسلة المرسلين السابقين ، إذ التكذيب برسولٍ هو تكذيب - في الحقيقة - بإرادة الله سبحانه وتعالى في خلقه ؛ لأن المرسلين جميعاً تجلٍّ للإرادة الإلهية في هداية الأمم ، والشعوب ، والأفراد . ورفض نموذج واحد من هذا التجلِّي العظيم ، رفض لجميع نماذجه ، وهو لعمري ذنب عظيم .
بينات من فقه القرآن (سورة الشعراء) — صفحة 353
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٣٥٣