فمثلًا يقول الله سبحانه : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُم مِن فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ * وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَآءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ * وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( الشورى / 26 - 28 )
نرى في السياق منعطفاً صارخاً عند قوله سبحانه : وَلَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ
حيث لا يرتبط ظاهراً بما قبله من قوله تعالى : وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وبما بعده من قوله سبحانه : وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ
ووضع هذا المنعطف إنما هو لبيان سُنة فطرية تجري في العباد ، وهي فقدهم للتوازن إذا ثقلت عليهم النعم ، باعتبار ان النعمة بحاجة إلى قدر من التحمل والضبط ، وربما بقدر أو أكثر مما تحتاج النقمة إليها .
ان ابداع هذا المنعطف في سياق الآية الذي يبدو مستقيماً بدونه ، إنما هو لهدف بيان الحقيقة العلمية في ثنايا التوجيه النفسي ، ليس فقط من اجل توظيفها في خدمة التزكية ، بل وأيضاً من اجل بيانها للناس .
باء : والأسلوب التربوي الذي يتبعه القرآن الحكيم في تزكية النفس أسلوب علمي بذاته ، إنه أسلوب مرحلي يتابع مراحل التزكية ، بما يتناسب معها من الإثارة العاطفية والتوجيه الفكري والزخم الايماني ، إنه أسلوب يربط - بحكمة بالغة - بين الفكرة الموظفة والهدف المنشود .
بحوث في القرآن الحكيم — صفحة 21
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢١