تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 284

مساهمون:

ص٢٨٤
والحل الناجع لهذه المعضلة عند البشر يتم بإعادة التوازن بينهما إلى نفسه ، ولأن العاجلة شهود يعايشه بوعيه وحواسه فإن حاجته الملحة إلى رفع الغيب إلى مستوى الشهود عنده ، ولذلك يضعنا القرآن أمام مشاهد حية من غيب الآخرة حيث الناس فريقان : فريق السعداء الذين تُجَلِّل وجوههم النضارة ، ويصلون إلى غاية السعادة بالنظر إلى ربهم عز وجل ، وفريق البؤساء الخاسرين أصحاب الوجوه الباسرة ، الذين ينتظرون بأنفسهم العذاب والذلة ( الآيات : 22 - 25 ) . ويمضي بنا السياق شوطا آخر يحدثنا فيه عن لحظات الموت الرهيبة حيث تبلغ النفس التراقي فيعالج الإنسان سكرات الموت حيث يلف ساقا بساق ، ويقبض كَفًّا ويبسط أخرى . بلى ، إنه أول مشهد من الآخرة ، والنافذة على عالمها الواسع . وكما أن تكذيب أحد بهذه الحقيقة لا يدفعها عنه ولا يُغَيِّر من شأنها فإن التكذيب بالآخرة هو الآخر لا يُغَيِّر قدر ذرة من أمرها ، لأنها حقيقة واقعة وقائمة ( الآيات : 26 - 29 ) . ولأن مشكلة الإنسان ليست إنكار الموت ، ولا زعم القدرة على دفعه ، بل الشك فيما بعده أو الكفر به ، انعطف القرآن نحو إنقاذه من حيرة الشك في المستقبل والجهل به ، وكأنه يحل لغزا رجع صداه في أكثر النفوس البشرية ، ببيان أن مسيرته في الحياة لا تنتهي بالموت ، وإنما الموت جسر إلى عالم أبدي أوسع ، هو عالم لقاء الله والحساب والجزاء بين يديه ، وذلك مما يعمق الشعور بالمسؤولية في النفس ( الآية : 30 ) . وغياب هذه الحقيقة من وعي الإنسان هو المسؤول عن عدم تصديقه وعن تركه للصلاة ، وهو يدفعه إلى التكذيب ، وركوب مطية الغرور ، وإن من يكون على هذه الصفات الموت أولى به من الحياة ، والعذاب من الرحمة ( الآيات : 31 - 35 ) . ويرجعنا القرآن إلى الجذر الأصيل لكفر الإنسان بالبعث والجزاء : إنه جهله بقدرة ربه سبحانه ، فليتفكر في أصل خلقته حين كان نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى ( 37 ) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فخلقه الله وسوَّاه ، متكاملا في ذاته ، ومتكاملا مع الجنس الآخر بأن خلق مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَاْلأُنْثى فهذه آية واضحة للعقل على قدرة الله عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى ، لأن أصل الخلق أعجب وأدل على قدرته تعالى من الإعادة ( الآيات : 36 - 40 ) .