والآيات : ( 56 - 73 ) تؤكد أن على صاحب الرسالة أن لا يتصور الطاغوت حديداً لا يلين ، بل هو بشر من لحم ودم ، وأن يعي أن جلّ اهتمامات الطاغوت هي تلفيق الإشاعات ضد المصلحين ، ومحاولة احتواء العملية الإصلاحية والتغييرية .
ونفس هذه الحقيقة نجد تذكيراً بها في كتاب الله ، الذي يخسر من أعرض عنه ، إذ يفقد البصيرة في الدنيا ، والبصر في الآخرة ، كما تتحول ذنوبه وأخطاؤه إلى أثقال يحملها يوم القيامة . . ذلك اليوم الرهيب ؛ اليوم الذي تخشع فيه أصوات الخلائق لربها ، ونرى الناس يبحثون عمن ينقذهم من عذاب النار ، وليس ثمة شفاعة بدون إذن الله .
فمن أجل أن لا نتورط بحمل هذه الأثقال علينا ، يجدر بنا أن نستلهم العبر من التاريخ ، والذكرى من القرآن .
ونحن بين هذا وذاك ينبغي أن نعلم بأن حياتنا قصيرة جداً ، وأن أمامنا حياة أخرى ؛ لا حصر لأمدها ، وأن سعادتنا أوشقاءنا فيها مرهون بعملنا في الدنيا ، فنسعى جاهدين لأن نكون سعيدين فيها . ( الآيات : 74 - 82 ) .
وتشير ( الآيات : 83 - 98 ) إلى ما يمكن أن يتعرض له المجتمع الرسالي من مؤمرات وانحرافات ثقافية وعقائدية داخلية ، تقف وراءها الشهوات وحب المال والجهل والأنانية ، إضافة إلى تأكيدها ضرورة اتخاذ الثلة المؤمنة المخلصة سلوكاً حكيماً وواعياً من شأنه أن يجنب المجتمع الرسالي مخاطر الانحراف .
كما تتطرق ( الآيات : 99 - 112 ) إلى حقيقة كون الإنسان خاضعاً بكيانه الطبيعي لله سبحانه وتعالى ، ويتجسد خضوعه الكامل والمطلق في يوم القيامة ؛ أما في الدنيا فقد أعطاه ربه الحليم فرصة لتجربة إرادته ، فهو باستطاعته السمو إلى أن يكون أفضل من سائر المخلوقات . . فيستر بإرادته شهواته ، وبعقله جهله ، وبتقواه غرائزه . . وأنه لولا هذا الجانب الخير في حياته ، لكان أضعف وأعجز من كثير من الأحياء .
أما ( الآيات : 113 - 135 ) فهي خلاصة لعبرها ، فتبين سلبيات النفس البشرية بعد الإشارة إلى عوامل الانحراف فيها ، ذلك لأن معرفة الإنسان بنفسه وبالعوامل المؤثرة فيها تساعده على الاختيار السليم .
مقاصد السور في القرآن الكريم — صفحة 103
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص١٠٣