فمثلًا يعرف على وجه القطع عاقبة الظلم ، ويعرف مصير الطغاة ، ويتنَّبه إلى أن الإنسان مرهون بعمله . فالقارئ بإيمان ووعي وبركة ، لا يتعرَّف إلى الماضي فحسب ، وإنما يتبصَّر المستقبل أيضًا ، بل وأكثر من ذلك ، تتسنَّى له المنهجية العقلائية العلمية التي يكتشف من خلالها الكثير من أسرار الحياة .
إن القرآن حق وليس بأسطورة ، إنه كلام الله الحق ، العالم بسر السماوات والأرض ؛ وذلك لأنه كما في عالم الأرض عالم شهود وعالم غيب ، كذلك في السماء عالم شهود وعالم غيب بالنسبة لسكانها ، وهم الملائكة باختلاف درجاتهم ومقاماتهم وأدوارهم . والله عالم بأسرِّ السر في عالم السماوات وعالم الأرض ، وهو المنزل لآيات القرآن على قلب رسول الله ( ص ) .
وهذا هو الفارق الكبير بين بصائر الوحي وبين ثقافات البشر التي تنجم من الذين لا علم لهم بكل أسرار الخلق . فهي قد تُدغدغ عاطفةً أو تُثير عصبيةً ، وربما تُؤسِّس لمنطق من الأعادِ لتحذيرك عن مسؤولياتك ، ولئلَّا تُزكِّي نفسك . فيما القرآن يُنوِّر قلب الإنسان ويسمو به إلى حيث إرادة خالقه القاضية له بالتحرُّر من قيود الشيطان والهوى .
والله تعالى يُؤكِّد في خاتمة الآية الكريمة أنه إن لم يأخذ أهل الأرض الكافرين بألوان العذاب ، ولم ينسف الثقافات الجاهلية مرةً واحدةً ، ولم يجازِ أولئك القوم الذين عارضوا القرآن بعذاب مستأصل ؛ فذلك لأنه غفور رحيم ، يقدم الفرصة تلو الفرصة لمخلوقيه البشر ليعودوا إلى رحاب غفرانه ورحمته التي وسعت كل شيء .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 40
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٤٠