ويكشف هذا الأمر لنا أنّ الله تعالى حينما يُبيِّن الحقائق ، فإنه يبينها من زوايا متعددة . ومنطق القرآن هنا ينسب هذه الأفعال إلى الله سبحانه باستخدام مفردة وَهُو رغم أننا نعرف أنه سبحانه قد سخّر لهذه الأعمال ملائكةً ووضع لها سننًا وأنظمة ، مما يعني أن الفعل والتسخير عائدان بالأصل إلى الله تعالى ، ليس فقط في خلق الأشياء وتقديرها ووضع أنظمة لها ، بل وأيضًا في تدبيرها وإجراء السنن عليها لحظة بلحظة .
وحين نرى أن هذا النظام الدقيق مسخَّر للإنسان ، فترى الليل لباسًا له والنهار معاشًا والرياح والشمس وظلالها وغيرها تخدمه ، نعرف أنه - في نهاية المطاف - كائن كريم ، وعليه أن يعي آفاق هذه الكرامة فيعبد ربه ولا يعبد مخلوقًا مثله أو أدنى منه : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْلَ لِبَاساً .
هكذا جعل ربنا الظلام لمنفعة الإنسان ، حيث يستتر به ابن آدم كما يستتر باللباس .
2 - وَالنَّوْمَ سُبَاتاً .
إذ النوم راحة لأعضاء الجسد ، من تعب النهار ومشاغله . وهذه نعمة كبيرة جدًّا ، قد يغفل عنها الإنسان السوي ، لأنه يستثمرها بشكل تلقائي ، إلَّا أن المُصاب بالأرق يعي جيدًا حقيقة هذه النعمة .
3 - وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً .
لم يصف النهار ولم يسمِّ فائدته باليقظة ، وإنما بالنشور ؛ إذ النهار يقظة وانبعاث .
بينات من فقه القرآن (سورة الفرقان) — صفحة 201
مساهمون: السيد محمد تقي المدرسي
ص٢٠١