تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
والجواب ان اختصاص التعذيب التام والعقاب الشديد في نشأة لا يستلزم كونها أحسن النشئات فان النشأة التي يقع فيها العذاب الأليم للأشقياء والثواب العظيم للسعداء نشأة ( 1 ) ادراكية هي أصفى والطف من هذه النشأة الكثيفة وهي الدار الآخرة التي هي دار الحيوان وذلك لان الملذ والمؤذى في الحقيقة ليسا ( 2 ) من الأمور الخارجة عن الصور الادراكية الحاضرة عند النفس الواصلة إليها فكل مؤلم أو ملذ لنا ليس من المحسوسات الخارجة ولا يمكن ادراكه بهذا الحس الظاهري الدنيوي بل بالحواس الباطنة الأخروية وتلك الحواس هي التي بها يسمع ويبصر ويذوق ويشم ويلمس ما لا وجود له ونقول أيضا ان سكر الطبيعة وخدر النفس ( 3 ) في هذه الدار لأجل اشتغالها
هامش
( 1 ) فيه إشارة إلى ما في الوحي الإلهي ان الدار الآخرة لهي الحيوان والمقرب لكون الدار الآخرة عين الحياة وعين العلم والادراك ليست الحياة والادراك فيها من الطواري والعواري كما في هذه النشأة الدنيوية نشأة النوم فان النوم أخ الموت فان كلما ترى في النوم من سماء تظلك وارض تحملك وصور بهية تلذك وتبهجك أو صور مشوهة توحشك وتؤلمك كلها صورك العلمية قوى وجودها فإن كان في المنامات الأضغاثية فبتصرف متخيلتك في صور خيالك المأخوذة في اليقظة من الخارج وإن كان من المنامات الصادقة فبمشاهدة الحس المشترك منك الصور العلمية التي في المبادئ وانعكاس تلك الصور إلى النفس أو بمشاهدة حضورية لها وعلى التقادير كلها عين العلم والحياة س ره ( 2 ) كيف واللذة والألم ليسا الا ادراك الملائم والمنافر والادراك ليس الا المدرك بالذات فإنه الصورة الحاصلة عند المدرك وكما أن الأمر الخارجي ليس ملذا أو مؤلما بل الامر الادراكي كذلك يمكن ان لا يؤلم الصورة الادراكية المؤلمة فان مؤلميتها انما هي باعتبار الوهم فان صوره ضياع الأهل والمال يحزنك باعتبار وهمك وجعله زوال إضافتك إليهما كأنه زوال ذاتك أو زوال صفاتك الحقيقية كما أن وحشتك من صوره الميت الذي في حياته كان أعجز شئ فضلا عن حال مماته امر وهمي وكذا منافرتك عن أشياء تستقبحها فكأنك نفسك تنحت لنفسك مؤلما وموحشا ومحزنا ومكائدا فالويل منك عليك وطوبى لعبد يرى في مظاهر اللطف والقهر ظهور ربه ويحبه في جميع صور أسمائه فهو في رضوان من الله أكبر س ره ( 3 ) بالخاء المعجمة والدال المهملة ومنه التخدر والتخدير وهو بطلان ادراك الحاسة وهو من مصطلحات الأطباء ط مد