هو مذموم منها ، فان ذلك قد اشتبه على أكثر الخلق فكثير منهم يسمعون امرا حقا بالدنيا ويذمونه ويختارون شيئا هو عين الدنيا المذمومة ويسمونه زهدا ويشبهون ذلك على الجاهلين .
اعلم أن الدنيا تطلق على معان :
الأول : حياة الدنيا وهي ليست بمذمومة على الاطلاق وليست مما يجب بغضه وتركه بل المذموم منه ان يحب البقاء في الدنيا للمعاصي والأمور الباطلة . . .
والحاصل ان من يحب العيش والبقاء والعمر للأغراض الباطلة فهو مذموم ومن يحب البقاء للطاعات وكسب الكمالات وتحصيل السعادات فهو ممدوح وهو عين الآخرة فلذا طلب الأنبياء والأوصياء طول العمر والبقاء في الدنيا . . .
الثاني : الدينار والدرهم وأموال الدنيا وأمتعتها وهذه أيضا ليست مذمومة بأسرها بل المذموم منها ما كان من حرام أو شبهة أو وسيلة إليها وما يلهى عن ذكر اللّه ويمنع عبادة اللّه أو يحبها لا يبذلها في الحقوق الواجبة والمستحبة . . .
الثالث : التمتع بملاذ الدنيا من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمركوبات والمساكن الواسعة وأشباه ذلك وقد وردت اخبار كثيرة في استحباب التلذذ بكثير من ذلك ما لم يكن مشتملا على حرام أو شبهة أو اسراف وتبذير وفي ذم تركها والرهبانية . . .
فإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذي يظهر من مجموع الآيات والاخبار على ما نفهمه ان الدنيا المذمومة مركبة من مجموع أمور يمنع الانسان من طاعة اللّه وحبه وتحصيل الآخرة . فالدنيا والآخرة ضرتان متقابلتان فكلما يوجب رضى اللّه سبحانه وقربه فهو من الآخرة وان كان بحسب الظاهر من اعمال الدنيا « 1 » . . .
والحمد للّه أولا وآخرا
هامش
( 1 ) البحار 73 / 61 - 63 .