تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التوازن الإسلامي بين الدنيا والآخرة — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
ووطئت لغيره أكنافها . وفطم عن رضاعها . وزوى عن زخارفها . وان شئت ثنيت بموسى كليم اللّه عليه السلام . إذ يقول : رب اني لما أنزلت إلي من خير فقير . واللّه ما سأله الاخبزا يأكله . لأنه كان يأكل بقلة الأرض . ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاف بطنه لهزاله وتشذب لحمه . وان شئت ثلث بداود ( ع ) صاحب المزامير قارىء أهل الجنة . فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها ؟ ويأكل قرص الشعير من ثمنها . وان شئت قلت في عيسى بن مريم عليه السلام‌فلقد كان يتوسد الحجر ويأكل الخشن وكان ادامه الجوع . وسراجه بالليل القمر . . . وفاكهته وريحانه ما تنبت الأرض للبهائم ولم تكن له زوجة تفتنه ولا ولد يحزنه ولا مال يلفته ولا طمع يذله . دابته رجلاه وخادمه يداه . فتأس بنبيك الأطيب الاحمد صلى اللّه عليه وآله فان فيه أسوة لمن تأسى وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى اللّه المتأسي بنبيه والمقتص لاثره . . . ولقد كان في رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ما يدلك على مساوى الدنيا وعيوبها . إذ جاع فيها مع خاصته وزويت عنه زخارفها مع عظيم زلفته . فلينظر ناظر بعقله أكرم اللّه محمدا بذلك أم أهانه ؟ فان قال أهانه فقد كذب وأتى بالافك العظيم . وان قال أكرمه فليعلم : ان اللّه قد أهان غيره . حيث بسط الدنيا له . وزواها عن أقرب الناس منه فتأسى متأس بنبيه . خرج من الدنيا . . . لم يضع حجرا على حجر . حتى مضى لسبيله . وأجاب داعي ربه فما أعظم منة اللّه عندنا حين أنعم علينا به سلفا نتبعه . . . واللّه لقد رقعت مدرعتى هذه حتى استحييت من راقعها . ولقد قال لي قائل : ألا تنبذها عنك . فقلت : اعزب عنى ، فعند الصباح يحمد القوم السرى « 1 » .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ج 2 ص 73 - 76 .