لان من صبر عن ملكة ولكن لم يرض بما صبر عليه فصبره صبر المتوسطين ، وان شئت قلت صبر العوام ، ومن صبر عن ملكة مع كونه راضياً بقضاء اللَّه وقدره وراضياً بالتكاليف من الطاعات والاجتناب عن المعاصي فهو صبر الراضين وان شئت قلت صبر الخواص ، ومن صبر عن ملكة مع حبّه قضاء اللَّه تعالى وقدره وبالتكاليف الّتي كلّف بها من المحبوب فهو صبر المحبين وهو صبر اخصّ الخواص ، ثم إنهم قسّموا الصابر أيضاً إلى أقسام ؛ فقالوا :
ان أهل الصّبر ان تركوا الشكوى فهم من التائبين وان رضوا بما صبروا عليه فهم الزاهدون وان استحبّوا ما صبروا عليه فهم من الصديقين .
قلت : ان الصّبر لا ينقسم إلى تلك المراتب ولايُصبّغ بتلك الأصبغ ، وبعبارة أخرى صبر الرضا وصبر المحبة خطأٌ لاحظّ لهما من الصواب ، لانّ أهل الصّبر إمّا ان يكونوا من العوام فلاصبر لهم ، بل لهم التصبّر وهو حسن يترتب عليه الثواب بل لا يبعد ان يقال باشتمال الآيات الدالة على ترتب المثوبة على الصّبر عليهم .
وإمّا ان يكونوا من المتوسطين وهم الّذين صبروا عن ملكة لانّهم بالرياضات المشروعة حصّلوا تلك الملكة واما ان يكونوا أهل الرضا فهم ذو فضلين فضل الصّبر وفضل الرضا واما ان يكونوا أهل المحبة فهم ذو فضائل ، فضل الصّبر وفضل الرضا وفضل المحبة .
فأهل الرضا يصبرون على الآلام ويرضون بها على قدر رضاهم لان الرضا مشكّكة وأهل المحبة على قدر محبتهم يصبرون على الآلام بها ويحبّونها لأنها من المحبوب فهم نظير العشّاق الّذين يصبرون على الفراق لو كان رضى المعشوق فيه ، ولعل القوم أرادوا ما قلنا فحينئذ يكون النزاع لفظياً وقد مرّ منّا انّ القيل والقال ليس من دأب أصحاب المواجيد ، فلانطيل الكلام ببيانهما وتزييفهما .
دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 374
مساهمون: الشيخ حسين المظاهري
ص٣٧٤