تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دراسات في الأخلاق وشؤون الحكمة العملية — صفحة 433

مساهمون:

ص٤٣٣
حصيلة هذه الرذيلة ؛ فيأتي بذلك كلّه طلباً للجاه والصيت بين الناس . ثمّ انّ حبّ الجاه وهو حبّ تسخير قلوب النّاس ، وحبّ الرّئاسة وهو حبّ تسخير أنفسهم ، وحبّ السمعة وهو حبّ كونه مشيراً بالبنان والألسن ، أمر لا ينفكّ عن الإنسان بمعنى انّه لامنشأ له غير ذاته ، فهو كحبّ المأكول والمشروب والنّساء وأمثال ذلك ، إلّاانّ ذلك الحبّ أمثاله قد يلازم حبّاً آخر أو يترتّب عليه حبّ آخر . مثلًا حبّ الرّئاسة يلازم الكبر والعجب والغرور والرّئاء ونحو ذلك ، كما انّه يترتّب عليه الفساد والظّلم ، بل كثيراً ما يكون بعض ذلك داعياً لطغيان الآخر ، كحب الدنيا الّذي يوجب محبّة المكانة والرتبة . ولكن كلّ ذلك يعدّ من الذّاتيات ومقتضيات النّفس الامّارة ، لا أن ينشأ بعضه عن الآخر . فما اشتهر بين القوم من نشأ بعضه عن الآخر غير سديدٍ ، وفي هذا البحث وقعت لهم اشتباهات بيّنة فراجع وتأمّل فيها . منها تصريحهم بأنّ حب الرئاسّة ممّا لابدّ منه في تنظيم أمر المعاش ، فليس من الرذائل بالاطلاق ، بل الزائد على المحتاج إليه الّذي فيه رعونهٌ ونفسيةٌ فرعونية ، هو القبيح فحسب ؛ وليس الأمر كذلك ، إذ الحبّ ليس إلّاتعلّق القلب بالمحبوب ، وتعلّق القلب بغير المحبوب الأوّل الحقيقي جلّ وعلا قبيحٌ قليلًا كان أو كثيراً ، ولا حرية إلّابتحرير القلب عن جميع الشواغل والمشاغل غيره تعالى . هذا كلّه بالنسبة إلى حبّ الجاه والرئاسّة امّا نفس الرئاسة والمرتبة ، فلبست بمذمومةٍ بل الظاهر عن عدّة من آي القرآن الكريم كونها حسنةً مطلوبة . قال اللَّه تعالى : « ولقد كتبنا في الزّبور من بعد الذّكر انّ الأرض يرثها عبادي الصّالحون » « 1 »
هامش
( 1 ) - الأنبياء / 105