محسوراً » « 1 » يقول : إنّ الناس قد يسألونك ولا يعذرونك فإذا أعطيت جميع ما عندك كنت قد حسرت من المال . فهذه أحاديث رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يصدّقها الكتاب والكتاب يصدق أهله من المؤمنين ، وقال أبو بكر عند موته : أوصى بالخمس والخمس كثير فانّ اللَّه قد رضى بالخمس فأوصى بالخمس ، وقد جعل اللَّه له الثلث عند موته ، ولو علم انّ الثلث خير ( اً ) له أوصى به . ثمّ من قد علمتم بعده في فضله وزهده سلمان وأبوذرّ ، فأمّا سلمان فكان إذا أخذ عطاءه رفع منه قوته لسنته حتّى يحضره عطاؤه من قابل ، فقيل له : يا ابا عبداللَّه أنت في زهدك تصنع هذا ؟ وإنّك لا تدرى لعلّك تموت اليوم أو غداً ، وكان جوابه أن قال : ما لكم لا ترجون لي البقاء كما خفتم علىّ الفناء أو ما علمتم يا جهلة أنّ النّفس قد تلتاث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يعتمد عليه فإذا هي أحرزت معيشتها اطمأنّت . فأمّا أبوذرّ فكانت له نويقات وشويهات يحلبها ويذبح منها إذا اشتهى أهله اللحم اونزل به ضيف أو رآى باهل الماء الّذين هم معه خصاصة نحر لهم الجزور أو من الشاة على قدر ما يذهب عنهم قرم اللّحم ، فيقسمه بينهم ، ويأخذ كنصيب أحدهم لا يفضل عليهم ، ومن ازهد من هؤلاء ؟ وقد قال فيهم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ما قال ، ولم يبلغ من أمرهما ان صارا لا يملكان شيئاً البتّة ، كما تأمرون الناس بالقاء أمتعتهم وشيئهم ويؤثرون به على أنفسهم وعيالاتهم . واعلموا أيّها النفر انّى سمعت أبي يروى عن آبائه أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم قال يوماً :
ما عجبت من شيء كعجبى من المؤمن ، إنّه إن قرّض جسده في دار الدّنيا بالمقاريض ، كان خيراً له ، وإن ملك ما بين مشارق الأرض ومغاربها كان خيراً له فكلّ ما يصنع اللَّه به فهو خير له ، فليت شعري هل يحيق فيكم اليوم ما قد شرحت لكم أم أزيد كم ؟ أو ما علمتم انّ اللَّه جلّ اسمه فرض على المؤمنين في اوّل الأمر ان يقاتل الرجل منهم عشرة من المشركين ليس له ان يولّى وجهه عنهم ، ومن ولّاهم يومئذ دبره فقد تبوّء مقعده من النار ، ثمّ حوّلهم
هامش
( 1 ) - الاسراء / 29