ثم وثق حديث : « كلٌّ شافٍ كافٍ ما لم يختم آية عذاب برحمةٍ أو رحمة بعذاب » !
وقال السيوطي في الإتقان « 1 / 168 » عن حديث عمر : إن القرآن كله صواب ، ما لم تجعل مغفرة عذاباً أو عذاباً مغفرة . أسانيدها جياد » !
أقول : تعني هذه المقولة البركانية : أن الخليفة تنازل عن صيغة القرآن وعَوَّمَ نصه لتقرأه بالألفاظ التي تريدها بشرط : أن لا تقلب المعنى من مغفرة إلى عذاب !
ثم أفتى للمسلمين بأن كل قراءاتهم بالمعنى ، تكون قرآناً أنزله الله تعالى !
وبذلك يكون الخليفة أعطى للناس حقاً لم يعطه الله تعالى حتى لرسوله صلى الله عليه وآله ، لأنه قال له : قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ « يونس : 15 » .
ومع وضوح خطأ هذه المقولة وخطرها ، فقد صارت فتوىً ومرسوماً خلافياً أشاد به الفقهاء الرسميون ، وأفتوا بجواز تغيير نصوص الصلاة لأنها أخف من نص القرآن ! وبذلك جعلوا إلغاء جدية اللغة وحرفيتها وقصديتها ديناً ، وقدموه إلى المسلمين ليدينوا به ، ويشكروا الله على هذه التوسعة والرحمة للعباد !
قال الشافعي في اختلاف الحديث / 489 ، والأم « 1 / 142 » : « وقد اختلف بعض أصحاب النبي في بعض لفظ القرآن عند رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يختلفوا في معناه فأقرهم ! فما سوى القرآن من الذكر أولى أن يتسع هذا فيه » !
وقال ابن قدامة في المغني « 1 / 575 » : « إن عبد الله كان يرخص في إبدال لفظات من القرآن فالتشهد أولى ! فقد روي عنه أن إنساناً كان يقرأ عليه : إن شَجَرَتَ الزَّقُّومِ طَعَامُ الأَثِيمِ ، فيقول طعام اليتيم ، فقال له عبد الله : قل طعام الفاجر » !
وقال البيهقي في سننه « 2 / 145 » : « قال الشافعي رحمه الله : فإذا كان الله برأفته بخلقه أنزل كتابه على سبعة أحرف ، معرفة منه بأن الحفظ قد نزر ليجعل لهم قراءته وإن اختلف لفظهم فيه ، كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه اختلاف اللفظ ما لم يُخَلَّ معناه » .
والسبعة أحرف : مقولةٌ أخرى لعمر في نفس الموضوع ، وقد استوفيناها في كتاب تدوين القرآن . وقد حاول محبوه أن يفسروها فلم يجدوا لها معنى معقولاً !
قال السيوطي في الإتقان في علوم القرآن « 1 / 172 و 76 » : « قال ابن حبان : اختلف أهل العلم في معنى الأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولاً ! في معنى إنزال القرآن على سبعة أحرف ، وهي أقاويل يشبه بعضها بعضاً وكلها محتملة ويحتمل غيرها !
مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي — صفحة 23
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٢٣