الكساء ، معتمداً على قوسه النبع ، ورفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة ، واشرأب الناس ينظرون ، واصفرَّ لون السيد والعاقب وكرَّا حتى كادت أن تطيش عقولهما فقال أحدهما لصاحبه : أنباهله ؟ قال : أوَما علمت أنه ما باهل قوم قط نبياً فنشأ صغيرهم وبقى كبيرهم ؟ ! ولكن أره أنك غير مكترث وأعطه من المال والسلاح ما أراد ، فإن الرجل محارب ، وقل له : أبهؤلاء تباهلنا لئلا يرى أنه قد تقدمت معرفتنا بفضله وفضل أهل بيته .
فلما رفع النبي ( صلى الله عليه وآله ) يده إلى السماء للمباهلة قال أحدهما لصاحبه : وأي رهبانية ! دارك الرجل فإنه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل ولا مال ! فقالا : يا أبا القاسم أبهؤلاء تباهلنا ؟ قال : نعم ، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدى إلى الله عز وجل وجهة وأقربهم إليه وسيلة ، قال : فبصبصا يعنى ارتعدا وكرَّا وقالا له : يا أبا القاسم نعطيك ألف سيف وألف درع وألف حجفة وألف دينار كل عام ، على أن الدرع والسيف والحجفة عندك إعارة حتى يأتي من وراءنا من قومنا فنعلمهم بالذي رأينا وشاهدنا فيكون الأمر على ملأ منهم ، فإما الإسلام وإما الجزية وإما المقاطعة في كل عام . فقال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : قد قبلت ذلك منكما . أما والذي بعثني بالكرامة لو باهلتمونى بمن تحت الكساء لأضرم الله عز وجل عليكم الوادي ناراً تأجج ، حتى يساقها إلى من وراءكم في أسرع من طرفة العين فأحرقتم تأججاً ! فهبط عليه جبرئيل الروح الأمين ( عليه السلام ) فقال : يا محمد الله يقرؤك السلام ويقول لك : وعزتي وجلالي وارتفاع مكاني لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السماوات وأهل الأرض لتساقطت السماء كسفاً متهافتة ، ولتقطعت الأرضون زبراً سائحة ، فلم تستقر عليها بعد ذلك ! فرفع النبي ( صلى الله عليه وآله ) يديه حتى رئى بياض إبطيه ، ثم قال : وعلى من ظلمكم حقكم ، وبخسنى الأجر الذي افترضه الله فيكم عليهم بهلة الله تتابع إلى يوم القيامة » .
أقول : هذه الرواية من أقوى الرويات في المباهلة ، ولعلها أقواها على الإطلاق .
وفى الإرشاد : 1 / 168 : « فقال الأسقف : يا أبا القاسم إنا لا نباهلك ولكنا نصالحك ، فصالحنا على ما ننهض به . فصالحهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) على ألفي حلة من حلل الأواقي ، قيمة كل حلة أربعون درهماً جياداً ، فما زاد أو نقص كان بحساب ذلك ، وكتب لهم
السيرة النبوية عند أهل البيت (ع) — صفحة 580
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٥٨٠