النبي على علم بمستقبل هذه الأمة ، وقد أدى النبي دوره كاملا وبلغ رسالات ربه ،
وبين لهم كل شئ على الإطلاق ، وهو على علم تام بما يجري حوله ومدرك أنه السكون
الذي يسبق الانفجار فينسف الشرعية السياسية والمرجعية ، وبنسف الشرعية السياسية
والمرجعية يتجرد الإسلام من سلاحه الجبار ويتعطل المولد الأساسي للدعوة والدولة .
ولكن مثل النبي لا ينحني أمام العاصفة ، ولا يقعده شئ عن متابعة إحساسه العميق
بالرأفة والرحمة لهذه الأمة ، وبالرغم من كمال الدين وتمام النعمة الإلهية والبيان الإلهي
الشامل لكل شئ تحتاجه الأمة بما فيه كيف يتبول وكيف يتغوط أفرادها ، إلا أنه أراد
أن يلخص الموقف لأمته حتى تهتدي وحتى لا تضل ، وحتى تخرج بسلام من المفاجآت
التي تتربص بها وتنتظر موت النبي لتفتح أشداقها فتعكر صفو الإسلام وتعيق حركته
وتغير مساره .
النبي على فراش المرض ، وبيته المبارك يغص بأكابر الصحابة ، وقد أصر النبي على
تلخيص الموقف والتذكير بالخط المستقبلي لمسيرة الإسلام فقال النبي : قربوا أكتب لكم
كتابا لن تضلوا بعده أبدا .
ما هو الخطأ بهذا العرض النبوي ؟
من يرفض التأمين ضد الضلالة ؟
ولماذا ؟ ولمصلحة من ؟
ثم إن من حق أي مسلم أن يوصي ، ومن حق أي مسلم أن يقول ما يشاء قبل
موته ، والذين يسمعون قوله أحرار فيما بعد بإعمال هذا القول أو إبطاله ، هذا إذا
افترضنا أن محمدا مجرد مسلم عادي وليس نبيا وقائدا للأمة .
فتصدى الفاروق عمر بن الخطاب ووجه كلامه للحضور وقال : إن النبي قد غلب
عليه الوجع ، وعندكم القرآن ، حسبنا كتاب الله !
فاختلف أهل البيت فاختصموا ، منهم من يقول قربوا يكتب لكم رسول الله كتابا
لا تضلوا بعده أبدا ، ومنهم من يقول : القول ما قاله عمر . فلما أكثروا اللغو
والاختلاف عند النبي قال لهم رسول الله : قوموا عني ( 1 ) .
تدوين القرآن — صفحة 56
مساهمون: الشيخ علي الكوراني العاملي
ص٥٦