ولكن قد ذكرنا في مستهل بحث البراءة ان مفاد أدلتها عدم ايجاب الاحتياط رغم ان المقتضي له موجود ، والقرينة على ذلك هي ان الرفع فيها وان كان مستند إلى الحكم الواقعي المشكوك ، الا انه لا يمكن ان يكون مرفوعا والا لزم التصويب ، وهو اختصاص الأحكام الشرعية بالعالم بها وعدم ثبوتها للجاهل أصلا ، واما توجيه ذلك بان الحكم الواقعي مرفوع ظاهرا ، فلا يرجع إلى معنى صحيح ، وذلك لأنه ( قده ) ان أراد بعالم الظاهر عالم الشك في الحكم الواقعي ، فلا يمكن ان يكون الحكم الواقعي مرفوعا في هذا العالم والا لزم اختصاصه بالعالم به ، فاذن يلزم محذور اختصاص الحكم الواقعي بالعالم به ، وان أراد ( قده ) به ان للحكم الواقعي مرتبتين :
الأولى مرتبة وجوده الواقعي .
الثانية مرتبة وجوده الظاهري .
فيرد عليه ان للحكم الواقعي مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل والاعتبار ، فإنه ثابت فيها سواء أكان المكلف عالما به أم جاهلا ، بداهة انه ليس له وجودان ، وجود واقعي ووجود ظاهري حتى يكون المرفوع هو وجوده الظاهري دون الواقعي ، لوضوح ان له وجودا واحدا وهو وجوده الاعتباري الجعلي ، فإنه ثابت في الواقع بعد الجعل كان المكلف عالم به أم لا ، وان أراد ( قده ) به ان وجوده في عالم الشك والجهل وجود ظاهري .
فيرد عليه ان هذا الوجود الظاهري غير معقول ، لأنه لو كان فلا محالة يكون بجعل الشارع واعتباره ، غاية الأمر ان هذا الاعتبار حيث إنه في عالم الشك والجهل فلهذا يكون ظاهريا ، ومن الواضح ان للشارع جعلا واحدا في الواقع بقطع النظر عن كون المكلف عالما أو جاهلا وليس له جعلان : أحدهما
المباحث الأصولية — صفحة 449
مساهمون: الشيخ محمد إسحاق الفياض
ص٤٤٩