تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 322

مساهمون:

ص٣٢٢
أنتم بعبادة هذه التّماثيل ، وكان آباؤكم من قبلكم بعبادتها ؛ في ضياع عن صراط الحقّ والخير والهدى ، واضح جليّ ، إذ ليس لهذه التّماثيل ربوبيّة ولا إلهيّة . فدهش أبوه وقومه من مواجهته لهم بحزم وثقة ممّا قال لهم ، إذ وصفهم بأنّهم منغمسون في ضلال وضياع عن صراط الحقّ والخير والهدى ، وهذا الضّلال مبين ، أي : جليّ وواضح .
قالُوا أَ جِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ
( 55 ) : أي : قالوا له متعجّبين من طريقته : يا إبراهيم ، أأنت جادّ فيما قلت ، أم قلت ما قلت على سبيل المزاح تريد أن تلعب بأعصابنا ، وتريد أن تستثير انفعالنا ؟ . أجئتنا بالحقّ الّذي تؤمن به ؟ .
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
( 56 ) : أي : قال إبراهيم عليه السّلام لهم : أنا لست من اللّاعبين ، بل أنا جادّ ، وقد جئتكم بالحقّ ، فربّكم الّذي يرزقكم ، ويهيمن على كلّ شيء فيكم ، ويجري تصاريفه بكم ، بصفات ربوبيّته ، ويؤتيكم ممّا تسألونه ، هو ربّ السّماوات والأرض ، المتصرّف دواما فيهما بصفات ربوبيّته ، والمهيمن دواما على كلّ شيء فيهما . وهو الّذي خلقهما إبداعا وفق نظام الفطر من الباطن ، الّذي هو في الحقيقة خلق من العدم ، لأنّ ما بعد عمق باطن كلّ شيء هو العدم لا محالة .
. . . وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ
( 56 ) : أي : وأنا على ذلكم الّذي قلته لكم من الشّاهدين شهودا فكريّا مقرونا بالحجج البرهانيّة ، ومن المؤمنين به الّذين يعلنون شهادتهم به ، شهادة باللّسان مطابقة لما في الفؤاد من إيمان ، راسخ الأركان ، ثابت البنيان . قول اللّه تعالى يحكي ما حدّث به إبراهيم عليه السّلام نفسه فيما