وقد سبق بيان ما يكفي بشأنها في أوّل سورة ( القلم / 4 نزول ) فليرجع إليه .
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ :
أي : ما يوحى إليك من آيات ربّك البيانيّة ، هو كتاب أنزلنا بعضه إليك ، وسننزل سائره ، الّذي تمّ بتقديرنا وقضائنا أن ننزله ، فهو بحكم المنزل ، لأنّ ما قضى اللّه فعله مستقبلا متحقّق الوقوع حتما ، وما هو متحقّق الوقوع مستقبلا يصحّ التعبير عنه بأنّه وقع .
من أطلق قذيفة بتسديد دقيق جدّا ، يقال بشأنه أصاب الهدف ، ولو كانت قذيفته سائرة في الجوّ لم تصل بعد إلى هدفها .
لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ :
أي : لتخرج من يستجيب لدعوتك ويتّبع آيات هذا الكتاب ، من الكفر وسبل ضلالاته في الفكر وفي السّلوك ، الّتي تشبه الظّلمات ؛ إلى الإيمان بالحقّ المنزّل عليك من ربّك ، وإلى الالتزام بصراط اللّه المستقيم في الفكر وفي السّلوك ، وهما يشبهان النّور .
ففي استعمال الظّلمات للدّلالة على أنواع الكفر وسبل ضلالاته ، واستعمال النّور للدّلالة على الإيمان وصراط اللّه المستقيم الواحد ، استعارتان أصلهما تشبيه حذفت منه أداة التّشبيه ووجه الشّبه والمشبّه ، وبقي المشبّه به ، وهما الظّلمات والنور .
ولمّا كان خروج المستجيبين من الظّلمات إلى النّور عملا إراديّا من ذوي إرادات حرّة ، وكان اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - مهيمنا على كلّ الوجود في كلّ حركاته وسكناته وفي كلّ تصاريفه ، كان تمكين ذوي الإرادات الحرّة من القيام بأعمالهم خاضعا لإذنه ، فجاءت عبارة :
[
بِإِذْنِ رَبِّهِمْ ]
قيدا دالّا على هذه الحقيقة .
أمّا الأعمال الّتي تظهر دون توسّط ذي إرادة حرّة من عباد اللّه ، فهي تتمّ بتقدير اللّه وقضائه بصفة جبريّة ، وبإذنه إذا كان لها قانون ثابت .