وبعد بيان أنّ انفصال جزء من اللّه عزّ وجلّ مرفوض عقلا ، لأنّ الأزليّ الأبديّ لا يمكن أن يحصل تغيّر في ذاته في موازين العقول ومقاييسها ، أبان اللّه تبارك وتعالى فساد احتمال أن يتّخذ اللّه لنفسه ممّا يخلق أولادا بالتّبنّي ، من خلال استنكاره الشّديد على الّذين زعموا أنّ الملائكة بنات اللّه ، فقال اللّه تعالى :
*
أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ ( 16 ) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ ( 17 ) أَ وَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ ( 18 ) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ
( 19 ) :
*
أَمِ
هذه « أم » المنقطعة بمعنى « بل » وتدلّ على الإضراب الانتقالي ، ويلازمها معنى الاستفهام ، والاستفهام إنكاريّ توبيخيّ هنا .
أي : بل . اتّخذ اللّه ممّا يخلق في كونه بنات ، وتبنّاهنّ أولادا له ، وهنّ خلق من خلقه ، وعباد من عباده ؟ ! ! !
*
وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ :
أي : وآثركم بالبنين ؟ ؟ ! تقول لغة : « أصفيت فلانا بكذا » أي : آثرته به على نفسك .
وأعرض اللّه عزّ وجلّ عن مخاطبتهم ، فقال ملتفتا عنهم ، للتّعجيب من أمرهم :
*
وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ
( 17 ) :
أي : يجعلون أولاد اللّه ربّهم ملائكة إناثا ، مع أنّ الواحد منهم إذا بشّر بمولودة أنثى له ، ظلّ طول نهاره كالح الوجه ، شاعرا بأنّه كالمسخّم وجهه بالسّواد من سوء ما بشّر به .