ثانيا :
ومن الفنون البلاغية النّفيسة في القرآن : الاستقطاع من الماضي أو المستقبل ، وتقديم البيان كأنّه يجري الآن عند التكلّم .
ومن أمثلة هذا الاستقطاع في السورة ما يلي :
المثال الأوّل : قول اللّه عزّ وجلّ فيها خطابا لكلّ صالح للخطاب بأسلوب الخطاب الإفرادي ، بشأن مشهد من مشاهد يوم القيامة :
*
تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا وَهُوَ واقِعٌ بِهِمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ
( 22 ) :
لم يأت البيان بأسلوب : سوف ترى ، بل جاء بأسلوب تقديم المشهد كأنّه يجري الآن ، وهذا من الإبداع في البيان بمكان ، مع ما فيه من توكيد أنّ المشهد سوف يجري لا محالة ، وتحقّق وقوعه مستقبلا يسمح بأن يعبّر عنه بأنّه يجري مع زمن التكلّم .
المثال الثاني : قول اللّه عزّ وجلّ فيها أيضا بشأن المتحدّث عنهم في الآية السّابقة ، ولكن بعد ( 21 ) آية في السّورة :
*
. . وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ ( 44 ) وَتَراهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْها خاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذابٍ مُقِيمٍ ( 45 ) وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ يَنْصُرُونَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ سَبِيلٍ
( 46 ) :
هذا النصّ شبيه بسابقة ، مع حكاية أقوال مبنيّة عليه بأسلوب الحديث عن أمر مضى ، إذ جاء بصيغة الفعل الماضي :
وَقالَ الَّذِينَ آمَنُوا . . . ،
و
وَما كانَ لَهُمْ مِنْ أَوْلِياءَ . . . ،
فكأنّ المشهد قد انتهى عرضه ، وجاءت بعده أقوال وبيانات تتعلّق به ، تحكي أمرا مضى وانقضى ، وفي هذا تصوير إبداعيّ آخر .