أجمعين بعد بعثة محمّد خاتم المرسلين ، عليه أفضل الصّلاة والتّسليم :
حدّد وبيّن وأظهر لكم من مسائل الدّين وقضاياه الكبرى ، صراطا واضحا مشرعا مبيّن المعالم والحدود ، ممدودا ممهّدا ، لا يخفى على ذي إدراك فكري ، ويسهل عليه أن يشهد حدوده ومعالمه لظهورها وارتفاعها وانكشافها بأدلّتها البرهانيّة ، وملاءمتها لفطر النّفوس الإنسانيّة .
وهذا ينطبق على أصول العقائد الإيمانيّة ، والمبادئ الأخلاقيّة ، والقواعد الكبرى للمعاملات الحقوقيّة بين النّاس ، والقواعد الكبرى لفضائل السّلوك الفردي والجماعيّ في الحياة .
فهذه الأصول والمبادئ والقواعد من الدّين الّذي اصطفاه اللّه للنّاس أجمعين ، لا تختلف عليها العقول السّويّة ، والنّفوس الزّكيّة ، وهي بمثابة الشّريعة من الماء الّذي يكون الماء فيها فيضا لا انقطاع له ، ويكون ظاهرا معينا لا يحتاج أن ينضح بالدّلاء ، ويشرب الأحياء بأفواههم مباشرة منه .
أمّا أحكام الفروع فتحتاج استنباطات واجتهادات من أهل الاجتهاد ، وليست مشرعة ولا ظاهرة ولا قريبة التّناول لكلّ وارد ، فهي لا تدخل في عموم عبارة :
شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى .
*
ما وَصَّى :
لفظ « وصّى » و « أوصى » بمعنى « أمر » و « أوجب » . يقال لغة : « وصّى فلان فلانا بالشّيء وأوصاه به » أي : أمره به ، وفرضه عليه ، إذا كان ممّا يطلب فعله ، ونهاه عنه وحرّمه عليه ، إذا كان ممّا يطلب تركه .
والوصيّة : بيان مقرون بنصح مؤكّد بعهد ، وليست مجرّد بيان عابر ، أو نصح فاتر ، بل هي نصح مؤكّد مشدّد بعهد .
يظهر لي أنّ قضايا الدّين الكبرى الّتي شرعها اللّه عزّ وجلّ ، لنوح