اشتملت هذه الآية على أربع مقالات قالها أئمّة الكفر والشّرك في مكّة ، أو قالها بعضهم وأقرّها سائرهم ، لتيئيس الرّسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم من متابعة دعوته لهم ، وتلاوة ما ينزل عليه من كتاب اللّه عليهم .
المقولة الأولى : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ :
أرادوا بالقلوب مراكز الإدراك والتّفكير في أدمغتهم ، فالقلب يطلق عند العرب على وسط كلّ شيء ولبّه ومحضه ، والعمق المدرك المفكّر المستقبل للمعرفة في الإنسان ، هو ما في دماغ رأسه من أجهزة تدرك ما يصل إليها من الصّور والمعاني والأقوال ، وتحلّل فيها وتفكّر ، وتحفظ في الذّاكرة ، إلى غير ذلك من أعمال فكريّة .
وقد عبّروا عن عدم وصول ما يدعوهم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم إليه ، بآيات القرآن وببيانات من عنده ، بأنّ قلوبهم ( وهي مراكز الإدراك والتفكير في عمقهم ) محاطة في أكنّة تمنع وصول دعوته إليها ، فهي محجوبة ، عنها .
أي : فهي في شبه أكنّة مانعة من وصول دعوتك إليها . إنّ رفضهم لدعوته في المراحل الأولى من مسيرته الدّعويّة فيهم ، جعل مراكز الإدراك في داخلهم تحجب بحجب نفسيّة كثيفة خاصّة بمنع وصول دعوة الحقّ الرّبّانيّة إليها ، مع مرور الزّمن ، حتّى قبيل نزول سورة ( فصّلت ) .
[ من ] في
مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ
معمول لمحذوف من السّهل ملاحظته وتقديره ، وهو صفة للفظ
أَكِنَّةٍ
تقديره : في أكنّة مانعة من أن يصل إليها ما تدعونا إليه من بيان ربّانيّ أو بيان منك .
المقولة الثانية : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
وَفِي آذانِنا وَقْرٌ :
أي :
والأداة النّاقلة للصّوت وهي آذاننا مصابة بالصّمم أو بما هو قريب من الصّمم بالنّسبة إلى ما تدعونا إليه ، فنحن لا نسمع بأدوات سمعنا أصوات دعوتك لنا .