بتكرار ، فالمنيب : هو ذو الرّجوع إلى اللّه دواما بقلبه ونفسه وفكره .
ومن هذا نفهم أنّ من صفات أولي الألباب أنّهم منيبون إلى ربّهم وإلى طاعته آنا فآنا ، ارتقاء في التّقرّب إليه بالصّالحات ، وعودا إلى خطّ الاستقامة كلّما انحرفوا عنه ولو قليلا .
قول اللّه تعالى خطابا للّذين يستجيبون لدعوة الحقّ الرّبّانيّة :
*
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
( 14 ) :
أي : فاعبدوا اللّه وحده ، مخلصين له الدّين ، لا تشركون بعبادته شيئا ، ومن عبادة اللّه أن تسألوه أن يحقّق لكم مطالبكم لدنياكم وآخرتكم ، وصحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ هذا رأس العبادة وأحد عناصرها الكبرى ، ومن عبادته أن تدعوا إلى اللّه وإلى صراطه المستقيم .
الدّعاء في اللّغة : النّداء ورفع الصّوت ، ويأتي بمعنى السّؤال والطّلب ، واستعمل الدّعاء في القرآن للدّلالة على مطلق العبادة ، ومن العبادة الدّعوة إلى دين اللّه ، وتبليغ ما أمر اللّه بتبليغه .
وقد جاء في الآيتين ( 18 ) و ( 19 ) من سورة ( الجنّ / 40 نزول ) استعمال الدّعاء بمعنى العبادة ، ويدخل في عبادة اللّه تبليغ دينه ، وتبليغ آيات كتابه المجيد ، وشرح معانيها ، والإقناع بما تدلّ عليه من حقّ وخير وهدى وفضائل ، وهذا التّبليغ من أفضل العبادات وأجلّها ، وهو وظيفة المرسلين الكبرى . ومن استعمال القرآن الدّعاء بمعنى العبادة :
أَ تَدْعُونَ بَعْلًا
و
الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ *
و
قُلْ أَ رَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي : تعبدون .
وتدلّ عبارة :
. . وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ
( 14 ) في الآية هنا على أنّ المطلوب الأوّل من عبادة اللّه الّتي دلّ عليها :
فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ . .
هو الدّعوة إلى دين اللّه ، وتبليغ آيات كتابه ، وبيان الحقّ الرّبّانيّ الّذي جاء فيها .