فيناديهم خزنة جهنّم من الملائكة قائلين لهم في النّداء من بعيد :
*
لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ :
أي : لبغض اللّه الشّديد لكم ، حين كنتم في الحياة الدّنيا تدعون إلى الإيمان بالحقّ الّذي بلّغكم إيّاه رسل ربّكم ، وظهرت لكم براهين أنّه حقّ من ربّكم الممدّ لكم دواما بعطاءات ربوبيّته ، فكنتم تكفرون ، أكبر من مقتكم أنفسكم الآن وأنتم في العذاب نادمون متحسّرون .
دلّ الفعل المضارع في
إِذْ تُدْعَوْنَ
وفي
فَتَكْفُرُونَ
على تكرير دعوتهم إلى الإيمان في الحياة الدّنيا آنا فآنا ، وتكرير مقابلة ذلك بكفرهم آنا فآنا .
وفي التّعبير بالكفر معنى ستر الحقّ الّذي تبلّغوه ، وستر أدلّته وبراهينه بوسائلهم الإيهاميّة ، وحيلهم وأكاذيبهم وافتراءاتهم ، وزخرف أقوالهم .
وقد دلّ هذا النّداء على أنّ ما يعانونه من عذاب في جهنّم أقلّ ممّا يستحقّون على كفرهم العناديّ ، إذ كان مقت اللّه لهم بسبب كفرهم أكبر من مقتهم أنفسهم وهم خالدون في العذاب ، ولو جازاهم اللّه بحسب مقته لهم ، لكان عذابهم أشدّ ممّا هم فيه ، وهذا من واسع رحمته جلّ جلاله .
وبعد أن يسمع المعذّبون في جهنّم بسبب كفرهم هذا النداء من خزنتها ، ويدركوا منه أن اللّه قضى عليهم بعذاب دون ما يستحقّون ، يتجدّد طمعهم ، بأن يسألوا ربّهم متذلّلين مستفهمين :
*
قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ
( 11 ) :
الموت يكون بانعدام اتّصال الرّوح بالنّفس ، وأوّل تكوين للنّفس