فقد تكون العبارة على سبيل الاستعارة ، بتمثيل حركة الكافرين يوم الدّين للوصول إلى مطلوبهم ، وهو الخلاص من العذاب الّذي قضى اللّه به عليهم ، بنوق تمدّ أعناقها للوصول إلى ماء حوض بعيد جدّا عنها ، وهي شديدة الظّمأ ، فلا تستطيع أن تتناوش ( أي : تتناول ) من الماء شيئا .
فالمعنى : هيهات أن يكون لهم تناول شيء من مطلوبهم ، وهم يمدّون أعناقهم من مكان بعيد جدّا ، فقد قضى اللّه لكلّ منهم أن ينال عذابه خالدا مخلّدا في نار جهنّم ، جزاء سابق كفره وجرائمه ، في حياة ابتلائه .
كيف يكون للكافرين يوم الدّين تحقيق شيء من النّجاة الّتي يريدون تناوشها :
وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ
وهو الّذي أعلنوا إيمانهم به يوم القيامة ، بعد أن فات الأوان ، وتحقّق الخسران ، وكانوا في الحياة
وَيَقْذِفُونَ
رجما
بِالْغَيْبِ ،
فيدّعون دعاوى كاذبات لا دليل عليها .
ويثبتون آلهة باطلة ، وينسبون إليها صفات وأفعالا غيبيّة ، وهي لا تملك لأنفسها ولا لغيرها نفعا ولا ضرّا ، وربّما تكون أسماء وهميّة هم اصطنعوها ليس لها وجود إلّا في أوهامهم ، ورجمهم أقوالا وأكاذيب تتعلّق بالغيب عنهم ، هو رجم من مكان بعيد جدّا عن الغيب الّذي يتحدّثون عن أمور هي فيه ، وليس باستطاعتهم أن يصلوا إلى أيّ موقع منه .
قول اللّه عزّ وجلّ ختاما لهذا الدّرس وختاما للسّورة بشأن المعالجين فيها :
*
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ كَما فُعِلَ بِأَشْياعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ
( 54 ) :
*
وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ما يَشْتَهُونَ . . :
أي : وأقيم حائل حاجز بينهم وبين ما يشتهون يمنعهم منعا كاملا من الوصول إليه .