*
وَقالُوا آمَنَّا بِهِ
جاء في السّوابق من السّورة أنّهم كانوا يكذّبون بعذاب النّار ، وأنّهم كانوا يكذّبون بآيات اللّه البيّنات ، ويقولون عن القرآن هو إفك مفترى ، وسحر مبين ، وأنّهم كفروا بالحقّ لمّا جاءهم ، وأنّهم كذّبوا الرّسول ووصفوه بأنّه ضالّ عن سبيل الهدى ، والجامع لكلّ ذلك أنّهم كفروا بالحقّ لمّا جاءهم ، فأجمع ما يعاد عليه الضّمير في قولهم يوم القيامة :
آمَنَّا بِهِ
هو الحقّ الّذي جاءهم ، الشّامل للقرآن ، وللرّسول ، ولأنباء يوم الدّين ، ولكلّ ما جاء به الرّسول وبلّغهم إيّاه .
إنّ إعلانهم يوم القيامة إيمانهم بالحقّ الّذي كان قد جاءهم على لسان رسول ربّهم ، لا ينفعهم شيئا ، لأنّه إيمان عن شهود ، وكان المطلوب منهم أن يؤمنوا بالغيب ، إلّا أنّهم ربّما توهّموا أنّ هذا الإيمان قد ينفعهم بتخفيف شيء من عذاب اللّه عنهم ، ولن يخفّف عنهم هذا الإيمان يوم الدّين شيئا من العذاب ، فقد انتهت بموتهم مدّة الابتلاء ، وجاء يوم الحساب ، وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء .
*
. . وَأَنَّى لَهُمُ التَّناوُشُ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ
( 52 ) ؟ ! :
« أنّى » استفهاميّة بمعنى « كيف » هنا ، والمراد بهذا الاستفهام النّفي ، أي : لن يكون لهم تحقيق أقلّ مقدار ممّا يشتهون من نجاة من عذاب اللّه .
*
التَّناوُشُ
و [ التّناؤش ] في القراءة الأخرى . هو تناول المطلوب من بعد . وأكثر ما ورد هذا اللّفظ في محاولة الإبل الشّرب من الحوض الّذي يبعد ماؤه عن مدّ أعناقها ، حتّى تصل إلى الماء أوائل مشافرها فتمتصّ الماء شيئا فشيئا بكلفة ومجاهدة .
قال غيلان بن حريث يصف ناقته :
فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع أجواز الفلا
أي : تمتصّ ماء الحوض من علو ، بأوائل مشافرها حتّى تجمع في بطنها ما تقطع به أوساط الفلا الّتي لا ماء فيها .