* قول اللّه تعالى متحدّثا بضمير المتكلّم العظيم :
*
إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 80 ) إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
( 81 ) :
أي : إنّ نوحا عليه السّلام جزيناه بالنّجاة من الكرب العظيم الذي نزل به من قبل قومه ، وتركنا عليه تحيّة طيّبة في الآخرين ، سلام على نوح في العالمين ، لأنّه كان محسنا ، وإنّا كذلك الجزاء الّذي جزيناه نوحا نجزي سائر المحسنين ، فلكلّ محسن عندنا جزاء مشابه للجزاء المعجّل الّذي جزيناه نوحا .
الإحسان : هو المرتبة العليا من مراتب المؤمنين ، ودونها مرتبة البرّ ، ودونها مرتبة التقوى ، ولكلّ من هذه المراتب درجات كثيرات لا يعلمها إلّا اللّه عزّ وجلّ .
ولكن لا يرتقي إلى مرتبة الإحسان أو مرتبة البرّ إلّا من كان من المتّقين المؤمنين حقّا وصدقا ، ولهذا قال تعالى في وصفه :
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ
( 81 ) فالإيمان هو قاعدة البناء الارتقائيّ في مراتب المتّقين ، فالأبرار ، فالمحسنين .
* قول اللّه تعالى :
*
ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ
( 82 ) :
أي : وبعد أن أنجينا نوحا وأهله من الكرب العظيم ، إذ ركبوا في السّفينة ، وابتعدوا عن أرض قومهم ، وهي تجري بهم محفوظة بحفظ اللّه عزّ وجلّ ، أخذ الماء يتصاعد في أرض قومه ، وأخذ كفّار قومه يتسلّقون المرتفعات ، ويتابعهم الماء المتصاعد ، تفجّرا من عيون الأرض ، وانهمارا من السّحب في السّماء ، وسيولا جارفة عليهم من الجبال ، حتّى تمّ إغراقهم جميعا ، ولا بدّ أن يكون إتمام إغراقهم ، بعد جري السّفينة في الماء المتصاعد بزمن متطاول يحسن التّعبير عنه بحرف العطف « ثمّ » .