تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
أي : ولو شاء اللّه جمع النّاس كلّهم على الهدى إيمانا وإسلاما ، لسلبهم إراداتهم الحرّة ، ولجعلهم مجبورين ، وحينئذ يكونون مهديّين بالجبر ، لكنّ اللّه لم يشأ هذا ، بل شاء أن يمتحنهم عن طريق اختيارهم الحرّ ، فجبرهم على الإيمان يتنافى مع تخييرهم لابتلائهم ، إنّه لا يصحّ عقلا أن يكون الممتحن المبتلى مجبورا ، ولا يصحّ عقلا أن يكون المجبور ممتحنا ، هذا تناقض ، وحكمة اللّه في الخلق لا يمكن أن تنناقض ، لا في الأشياء ولا في لوازمها العقليّة . فمن تصوّر أنّ إرادة اللّه يصحّ أن تتدخّل لجعل إنسان موضوع موضع امتحان إرادته ، مجبورا على أن يكون مهديّا مؤمنا مسلما ، فهو جاهل من الجاهلين ، لا يدرك استحالة المتناقضات . * الممتحن المبتلى : هو حرّ الإرادة في اختياراته الّتي يخلقها اللّه له . * المجبور : لا تكون له إرادة حرّة تختار . * لا يكون المخلوق الواحد ، في الزّمن الواحد ، حرّ الإرادة ومجبورا فيما هو فيه حرّ الإرادة ، هذا تناقض ، ولا تتعلّق إرادة اللّه بإيجاد النقيضين معا في الشّيء الواحد ، والزّمن الواحد . وليس من حكمة اللّه أن يكلّف المجبور بأمر هو مجبور على نقيضه ، وقد أبان اللّه هذا في نصوص متعدّدة ، منها قوله تعالى :
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها .
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها .
المعالجة السّابعة : دلّ عليها قول اللّه تعالى :
إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ :
أي : لا يستجيب لدعوة الحقّ الرّبّانيّة ، إلّا الّذين لديهم استعداد لأن يسمعوا سماعا واعيا ، واصلا إلى مداركهم الّتي تفهم ما يصل إليها من بيانات فهما تدبّريا ، أمّا الّذين هم رافضون ابتداء أن يسمعوا اتّباعا